منذ عشر سنوات دار بينى وبين أحد صديقاتى حوار عن تربية الأطفال لا أنساه، قالت لى أننا نربى الأطفال على أن السعادة بالأشياء..كلما أردنا أن نسعدهم أو نخفف عنهم ألمًا أو حزنًا أو نحتفل بنجاحهم أو يوم ميلادهم فإننا نلجأ للأشياء، نشترى لهم الحلوى أو نأخذهم لمحل البيتزا أو إلى الملاهى أو نحضر لهم لعبًا وبذلك يكبرون وهم ماديون يحسبون أن سعادتهم فى الأشياء وعليهم جلب المزيد من الأموال ليحصلوا على مزيد من الأشياء. نحن لا نربى أطفالا نحن نربى عبيدًا للأشياء.

وخلال العشر سنوات الماضية جعلت أراقب سلوكياتى وسلوكيات من حولى وكيف أننا فعلا عبيد للأشياء بسبب أخطاء تربيتنا. جرب أن تقول أن فلان مرتبه أكبر من مرتبك، بماذا تفكر؟ بالطبع لأننا نعتقد أن من مرتبه أكبر يستطيع شراء أشياء أكثر وبذلك يكون سعيدًا أكثر. أليس كذلك؟ إذا كان مرتب فلان 50 ألف جنيه وعلان مرتبه ألف جنيه..من تحسبه أسعد بصرف النظر عن أى تفاصيل آخرى فى حياته؟

التجربة العملية أثبتت لى أن هذا المفهوم غير صحيح بالمرة. ليس فقط لأن من مرتبه 50 ألف جنيه قد يكون عنده مشاكل وهموم أكثر ممن هو مرتبه ألف جنيه..بل الأهم من ذلك أن من مرتبه ألف جنيه ربما يكون سعيدًا فى عمل يحبه ويعشقه أكثر من الآخر الذى قد تستعبده وظيفة لا يحبها ولكنه مضطر أن يظل بها ليشترى مزيدًا من الأشياء.

صديقتى التى كانت تكلمني عن تربية الأطفال كانت تقول لى لابد أن نعود الأطفال على الاستمتاع بأشياء بسيطة مثل تأمل الشمس عند الشروق أو ورقة شجر أو سماع موسيقى محببة أو ممارسة هواية ما كالرسم أو مجرد الجلوس فى سكون للذكر أو الصلاة أو قراءة قصة والغرق فى خيالها أو الجلوس فى قعدة سمر لطيفة ولعب ألعاب مسلية معنا. لابد أن نعودهم أن هذه المعنويات تجلب السعادة ونستخدمها كمكافآت وحوافز أكثر من الأشياء المادية.

ومما رأيته طوال هذه السنوات أن الأشخاص الذين تبدوا عليهم علامات السعادة والصفاء النفسى هم من يفعلون ما قالته صديقتى أو بعضًا منه..
ولكن المشترك بينهم شيئان أولا: أنهم يعملون فى وظائف يحبونها حتى لو كانت مرتباتها ليست كبيرة، وثانيًا: إذا كانوا مسلمين فهم غالبًا ما يقيمون الليل وإذا كانوا غير مسلمين فهم يمارسون اليوجا أو أى رياضة تأمل.

هولاء قد تحرروا من عبادة الأشياء ومن الدوران فى حلقة مفرغة من أجل جلب أموال لتكديس المزيد من الأشياء، هولاء وجدوا سعادتهم فى عمل مناسب وملهم لهم أيا ما كان، لديهم ساعة يوميًا للتفكر والانفصال عن الدنيا وما فيها من صخب. لا ينظرون نظرة حسد لأولئك الذين يتكبرون على غيرهم بالساعة الماركة التى يلبسونها والسيارة الآخر موديل التى يركبونها والمنتجع الخمس نجوم الذين قضوا فيه أجازتهم بل ينظرون لهم نظرة شفقة لأنهم عبيد الأشياء، يحسبون أنهم امتلكوا السعادة بهذه الأشياء ولا يعرفون أن من عرف السعادة بالروحانيات ينهل من نعيم لا يتخيلون وجوده لأنها أشياء لا تُشترى

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s