استيقظت على طرقات على بابها، تطلعت إلى المنبه الرقمي بجوارها فوجدته يشير إلى 5:35 فجرًا. من هذا الذى يطرق الباب فى كندا فى وقت كهذا؟ هذا شىء شبه مستحيل.
كان منبه هاتفها يرن فى إصرار تذكرت أنها قد ضبطته على الخامسة والنصف مما يعنى أنه يدق منذ خمس دقائق كاملة، تأففت وقالت لنفسها الدرس الذى تكرره كل يوم “لابد أن أنام مبكرًا إذا كنت أريد الاستيقاظ مبكرًا”.

ما زالت الطرقات تتوالى على الباب، قامت شبه نائمة ونظرت من العين السحرية لتجد شخصًا يرتدى ملابس سوداء سألته من هو. فقال لها أنه جارها فى الشقة المقابلة وطلب منها أن تغلق رنين المنبه ﻷنه لا يستطيع أن ينام منه، استغربت كثيرًا ﻷنه كان يتحدث بالعربية، اعتقدت أنها ما زالت نائمة وأن عقلها يترجم الكلمات للعربية. ففرضًا أن هذا الشخص عربيًا كيف عرف أنها عربية ليتحدث إليها من وراء الباب بالعربية؟
اعتذرت له بالانجليزية وأغلقت الموبايل وعادت للنوم.

ولكنها عندما استيقظت فى العاشرة تذكرت الحادثة، لم تعرف إذا كانت حلمًا أو حقيقة. وكلما أخبرت أحد بها ضحك وقال لها اتغطى كويس قبل ما تنامي. غالبًا هو حلم وقد بعث الله ملكًا لها فى المنام ليوقظها لصلاة القيام ولكنها أهدرت الفرصة ونامت مرة آخرى. ولكن لماذا يرتدى ملكًا ملابس سوداء؟!

عادت للمنزل ومرت أمام الشقة المقابلة لها فلم تستطع المقاومة قررت أن تطرق الباب ولتخترع لصاحبها أى حجة تبرر طرقها للباب. لدهشتها خرج شاب فقد كانت تظن أن من تسكن هناك فتاة. حاولت أن تعصر مخها لتعرف إذا كانت هذه هى الملامح التى رأتها بالأمس ولكن ذاكرتها خانتها. قالت له أنها جارته فى الشقة المقابلة فنظر إليها بدون أى تعبير على وجهه ينبا بأنه تكلم معها بالأمس.

احتارت ماذا تقول، ثم حسمت الأمر وسألته هل طرقت بابي عند الفجر؟ قال نعم المنبه أزعجنى وأردت أن أطلب منك أن توفقيه ﻷنى لا استطيع النوم. حسنًا لا يبدو الأمر حلمًا إذن. فلتتأكد من شىء آخر، سألته هل تتحدث العربية؟ قال لها نعم فأنا من السعودية وقد عرفت أنك عربية ﻷنه مكتوب على بابك أنك من مصر فتحدثت معك بالعربية بالأمس.

كادت أن تصرخ من الفرحة، إذن فأنا لست مجنونة. لم يكن حلمًا إذن. كل شىء كان حقيقى. وبعد الأسئلة المعتادة عن الدراسة والحياة وخلافه سألته قبل أن ترحل عن اسمه ، فقال فى بساطة: عبد العزيز!

تطلعت إليه غير مصدقة واستأذنت لترجع إلى شقتها وتمسك بالرواية التى بجانب سريرها والتى كانت تقرأها قبل أن تنام: “أحببتك أكثر مما ينبغى” عن قصة حب بين فتاة سعودية اسمها جومانا ورجل سعودي اسمه “عبد العزيز”!

مرت بخيالها جميع الاحتمالات: هو إذن حلم مركب داخل حلم وأنا أحلم الآن أيضًا أو هو حلم بالأمس وحلم آخر باليوم أو قد أصبت بهلاوس سمعية وبصرية بسبب الغربة واخترعت شخصية جار لي اسمه “عبد العزيز” تأثرًا بالرواية كما اخترع “أحمد حلمى” شخصية “منة شلبى” فى “آسف على الازعاج”، فى كل الأحوال من المستحيل أن يتواجد شخص سعودي أمامي واسمه “عبد العزيز” أيضًا.فى اليوم التالى قابلت “عبد العزيز” فى الطرقة فتتطلعت إليه كما تتطلع لشبح قألقى عليها السلام فردته. ربما كان حلم ثالث أو هى استمرار للهلاوس، على العموم من الممتع رد السلام على شخص غير موجود.

ولكن هذه المتعة انقلبت حيرة عندما قابلت “عبد العزيز” فى غرفة الغسيل الخاصة بالمبنى وكان يتواجد بالغرفة جار آخر كندي تعرفه جيدًا. تطلع إليها “عبد العزيز” وقال فى براءة “هاي”. نظرت إليه فى حيرة وإلى جارها الكندي. الآن ماذا تفعل؟ لو “عبد العزيز” وهم فعلُا كما تعتقد وردت عليه السلام لقال جارها الكندي أنها مجنونة. أما لو “عبد العزيز” حقيقة فلو تجاهلته لكانت وقاحة شديدة منها. تسمرت فى مكانها لتفكر ماذا تفعل. وفجأة هداها ذكائها لحيلة.

آه، بطنى! ما كل هذا الألم؟! تحرك جارها الكندي وهذا الذى من المفروض أنه “عبد العزيز” نحوها. قالت وقد حرصت أن تكون نظراتها غير موجهة ل”عبد العزيز” حتى لا يشك الآخر: أنه الم فظيع، سأذهب لشقتى لاستريح، أراك فيما بعد.

ابتسمت وهى تصعد السلم وحمدت الله أن الانجليزية لغة لا تفرق بين المخاطب المفرد والمخاطب الجمع فجملة
See you soon
قد تقولها لشخص أو أكثر، لو كان الحوار بالعربية لكانت أزمة حقيقية. تمددت فى فراشها وأخذت الرواية بين يديها فى شغف لترى ما فعلته “جومانا” انتقامًا من “عبد العزيز” الذى عرفت أن تزوج فتاة لبنانية ولذلك كان يسافر لمونتريال كثيرًا ليلاقها هناك، نعم “عبد العزيز” و “جومانا” كانا أيضًا يدرسان فى كندا!

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s