“السلام عليكم…..كنت أود أن أخبرك أنى عفوت عنك وعن أى إساءة لك فى حقى وأتمنى أن تعفو عنى إن كنت أسأت إليك يومًا”

سطرت هذه العبارت وأرسلتها عبر الفيس بوك لهذا الذى كان لها حبيبًا يومًا ما….بعثت بالكلمات وشريط قصتهما معًا يمر أمام عينها

كنت تخطو خطواتها الأولى نحو العالم الجامعى فى حين يستعد هو للرحيل منه…انبهرت به وبشخصيته وبتدينه وبثقافته الواسعة كما انبهر هو بها وبعقلها الراجح رغم سنوات عمرها القليلة….تذكرت حمرة الخجل التى كانت تعلو وجهيهما كلما تقابلا…كان من السهل على كل المحيطين بهما أن يعرفا أنهما عاشقان حتى من قبل حتى أن يعترفا لأنفسهما بحبهما…كان تكفى نظرة واحدة لهما وهو يتحدثان لترى أنهما منسجمان كليةً

تذكرت جلساتهما البريئة فى فناء الجامعة وهما يخططان مستقبلهما سويًا…تذكرت عندما حاول ذات مرة أن يقول لها كلمة حب  فلم تستجب وصدته فى حزم وقالت له لا أريد أن نلوث أنفسنا بكلام لم يحن وقته بعد…كانت تتخيل كل المعوقات التى قد تنهى قصة حبهما…اعتراض أهلها أو أهله…ضيق ذات اليد…كم قضت الليالى الطوال وهى ترتب مواجهتها مع والدها وحربها من أجله…حسبت حساب كل شىء ..ألا شىء واحد فقط ..أن تأتيها الضربة منه هو وأن يكون من يهدم قصر الأحلام هو الشخص الذى شاركها بناءه

 

لم تتخيل أنه سينساها هكذا وكأنها لم تكن شيئًا فى حياته….نعم نسيها….تخرج من الجامعة ونسيها بمنتهى البساطة…كانت تموت يوميًا مع كل دقة تليفون فلا تجده المتصل…مع كل مرة تفتح فيها الإيميل ولا تجد رسالة منه…أصابها الجنون…خافت أن يكون قد حدث له مكروه…بعثت إيميل لتسأل عنه فأخبرها بسطر واحد أنه مشغول….عذرته وانتظرت سؤاله عنها…ولكنه نسى ثانية…مضت الأيام والشهور ولم يسأل عنها وهى تموت يومًا بعد يوم….قاومت جرح كرامتها وسألت عليه للمرة الثانية فجاءها الرد أنه مشغول أيضًا….لم تفهم ولم تجد تفسيرًا مقنعًا ألا أنه لا يحبها…فمن يحب شخصًا حقًا سيتذكره ولو كانت وراءه مشاغل الدنيا كلها

 

وكان لابد أن تتخذ القرار وأن تأثر لكرامتها الجريحة …قابلته أخيرًا وعاتبته ..فلم تجد منه ندمًا ولا أسفًا…لم يعتذر حتى…وبقلب ينزف دمًا انهت كل ما بينهما وقامت لترحل..فما استوفقها ..رجعت بيتها وانتظرت مكالمته ليعتذر ..ليقول لها أنه تغير…ليخبرها أنه ما كان له أن ينساها..ولكن كل هذا لم يحدث……تذكرت قوله لها أنها برجاحة عقلها ونقاء نفسها تعتبر كنزًا ساقه الله له، تساءلت فى مرارة أهكذا يتعامل الناس مع كنوزهم يلقون بها فى غيابات النسيان حتى إذا سُلبت منهم تركوها غير مكترثين…لماذا لم يتشبث بها ويحارب من أجلها كما يحارب أى إنسان من أجل كنزه؟

 

مرت أيام وشهور وسنوات وهى تعانى من كرامتها المدبوحة…ولكن فى أعماقها كانت تنتظره…عاتبها كل من حولها..قالوا لها كيف تنتظرين من أهانك؟ وهل توجد إهانة أكبر من النسيان؟ ولكنها لم تستطع أن تنساه…لقد أحبته حقًا بكل مشاعرها وللأسف لا يوجد فى الإنسان زرار يكبسه لينسى من يحب مهما فعل فيه هذا الحبيب

 

تعلقت بوهم أن يفيق يومًا ما ويتذكرها ويعود إليها ولكن مرت السنون دون أن يعود..ودت لو استطاعت يومًا أن تخرج قلبها من أضلاعها لتدوسه بأقدامها….كانت فى لحظات ضعفها تفكر فى الاتصال به لتقول له لنبدأ من جديد ولكن كرامتها كانت تأبى أن تجرى وراء من لفظها…..لم تعرف الراحة ألا عندما عرفت أنه تزوج…شعرت أنها الآن تحررت منه ومن أسره…على الأقل هى لا تنتظره ولا تفكر فى الاتصال به…وإن كان ما زال يؤلمها الجرح من آن لآخر

 

والآن بعد أكثر من عشر سنوات وجدته على الفيس بوك بالصدفة معلقًا على صديق مشترك…ارتجفت وهى تشاهد صوره وصور أولاده …تساءلت إن كان حقًا سعيدًا…هل يا ترى الحياة كانت كريمة معه مرة آخرى فأعطته كنزًا آخر بعد أن فرط فى كنزه الأول أم تراه يجد عاقبة ظلمه لها ولن يشعر بالسعادة مطلقًا حتى تعفو عنه

 

ثم أفاقت أنها هى التعيسة حقًا…تعيسة بجرحها الذى لا تريد له أن يدمل…أن احساسها بظلمه لها يبدو كالسم الذى يستشرى فى بدنها…فلماذا لا تتخلص من هذا الإحساس؟ وفجأة تذكرت الآية الكريمة

“ولتعفوا ولتصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم”

 

لماذا إذن لا تعفو عنه وتتخلص من أسره نهائيًا؟ لماذا لا تطيب جرحها وتكون من الكرم بأن تعفو عنه عسى أن يكون هذا بابًا لعفو رب العالمين عنها؟ لم تكن تنقصها الجرأة ولا  الشجاعة لتأخذ القرار وترسل له رسالة العفو..لم تتوقع ردًا منه…كانت فقط تريد أن تشفى جراحها

 

ولكنه رد عليها بأغرب مما تخيلت فقد شكرها على عفوها وقال لها أنه من المحزن أن يتسبب فى جرح شخص فى مثل روعتها وأنه طوال هذه السنوات كان ضميره يعذبه كلما تذكر هذا الأمر

 

تسمرت أمام الرسالة ولم تفهم..طالما أنك تعلم أنك قد ظلمتنى وجرحتنى ..فلماذا إذن لم تبادر بالاعتذار؟ لماذا لم تطلب منى العفو عنك كل هذه السنوات؟

 

حمدت الله وقتها أن أعطى لها نفسًا لا تستكبر أن تعفو عن من ظلمها فى حين أعطى آخرين نفوسًا أصغر من ان تعتذر لمن ظلموهم…شعرت وقتها أنها حقًا كنزًا كما كان يقول لها….كنزًا لا يجب أن يمتلكه ألا من يستحقه…وهو بالتأكيد لا يستحقها

 

 

 

بقلم دينا سعيد

13-6-2011

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s