الكثير مننا سمع المقولة الشهيرة

Quitters never win, Winners never quit

وترجمتها “المنسحبون لا يفوزون أبدًا والفائزون لا ينسحبون أبدًا”

والواقع أن هذه المقولة خاطئة ﻷن الفائزين فى كل أنحاء العالم ينسحبون طوال الوقت، ولكنهم ينحسبون فى الوقت الصحيح من الشىء الذى لا يجب ان يستمروا فيه.  ولكن المشكلة التى تواجه كثير من الناس فى اعمالهم أو مشاريعهم أو تدربيهم الرياضى أو الفنى أو حتى علاقتهم العاطفية هى عندما تسوء الأمور بشدة ويبدو أن المجهود الذى تبذله لا عائد منه فى المدى القصير، هى هل انسحب أم أقاتل واستمر فى المحاولة؟

هناك أناس بطبيعتها مقاتلة، تعتبر الانسحاب هزيمة ولا تقبل به مهما ساءت الأمور وتظل تقاتل وتقاتل وهناك أناس بطبيعتها منسحبة ، ما أن يبدأوا شىء حتى يتركوه لغيره ، والاثنان يعانون من مشكلة عدم تحديد ما الذى يستحق القتال وما الذى يجب أن تنسحب منه؟

الأشياء التى تستحق القتال من أجلها نقدر ان نعبر عنها بمنحنى نسميه منحنى الحفرة

كما هو موضح فى هذا المنحنى، فى بداية الأمر يكون هناك عائد جيد لمجهودك وهو ما يُعرف بحظ المبتدئين

Beginner’s luck

بعد هذا تحدث الحفرة، تبذل الكثير من المجهود بلا أى نتيجة بل أن الأمور تسوء فى أغلب الاحيان

ولكن إذا استمرت فى مزيد من الجهد ستصل للتميز وتحقيق نتائج غير مسبوقة

المشكلة الكبيرة فى هذه الحفرة أن الكثير من الناس يشعرون فيها بالألم والتعب والملل وعندها قد يفضلون الانسحاب ﻷنهم لا يحتملون كل هذا الألم بدون مقابل امام أعينهم

إذا فهل معنى هذا أن نظل نقاتل فى كل شىء حتى نصل للتميز؟

لا، ﻷن هناك منحنى آخر نسميه منحنى الاستقرار

هذا المنحنى خاص بالأشياء التى تبدو مثل الوظائف الحكومية، الامور فيها لا تتحسن ولا تسوء. بل هى مستقرة. تبذل الوقت والمجهود ولكن لا شىء يتغير وهذا النوع من الأشياء لابد أن تنسحب منه وفورًا

ﻷنه لن يوصلك للتميز فى يوم من الأيام

هنا يبرز سؤال، بفرض أننى لا أجد عائد مناسب لمجهودى فكيف أعرف إذا كنت فى منحنى الحفرة فاستمر أو منحنى الاستقرار فانسحب؟

بسيطة أسأل نفسك لماذا تفكر فى الانسحاب ثم أسال نفسك لماذا تريد الاستمرار؟

إذا كانت الإجابة أنت تريد الاستمرار ﻷن هذا هو المضمون وﻷن هذا ما وجدنا عليه آبائنا وهناخد نصيبنا ونصيب غيرنا

وارض بالمقسوم غير رزقك يا بن آدم لن تحوش او كرامتى لا تسمح لى أن انسحب من شىء بدأته إذا فغالبًا أنت فى منحنى الاستقرار

أم إذا كانت الإجابة أنك تريد الانسحاب ﻷنك لا تتحمل الألم والتعب والمعاناة رغم أنك ترى أنك فى النهاية ستصل لشىء متميز فغالبًا أنت فى منحنى الحفرة.

وبالطبع عليك هنا وانت تفكر أن تركز على العائد طويل المدى أكثر من العائد قصير المدى

مثال: رياضة التزحلق على الجليد من أمتع الرياضيات ولكن قلة من الناس من يجيدونها ﻷن الناس ينقسمون حيالها ل3 أقسام:

1- النوع الشجاع: وهو النوع الذى ذهب للتدربيات واستمر فيها واحتمل المعاناة والألم فى الحفرة العميقة حتى وصل للتميز

لذلك تجد بعض الكنديين عمرهم 60 سنة ويتزحلقون على الجليد بسهولة ويتفوقون على الشباب

2- النوع الذكى: وهو النوع الذى قرر أن هذه الرياضة لا تستهويه وغير مناسبة له فاكتفى بالفرجة ولم يبذل فيها وقتًا أو جهدًا

3- النوع الغبى: وهو النوع الذى استهوته الرياضة فذهب للتدربيات وبذل مجهود ووقت ولكنه تعب أو مل من طول الحفرة فقرر الانسحاب وخسر وقته ونقوده

لا توجد مشكلة فى النوع الشجاع والنوع الذكى فكلاهما قرر ما يريد واستمر فيه. ما المشكلة أن يقرر إنسان أنه لا يريد أن يتعلم التزحلق على الجليد؟ وهل يجب أن يتعلم كل الناس كل شىء؟

وهنا نرجع للمقولة الخاطئة

 “المنسحبون لا يفزون أبدًا والفائزون لا ينسحبون أبدًا

ونعدلها إلى أن

الفائزون ينسحون من منحنى الاستقرار ولا ينسحبون من منحنى الحفرة.

بمعنى آخر أنك لكى تكون بطل فى السباحة وتذهب للتدربيات كل يوم 4 ساعات فعليك أن تستمر فى منحنى الحفرة الخاص بالسباحة وتتحمل آلام التدربيات فى الشتاء فى الصباح الباكر والشد العضلى والعصبى وكل أنواع المعاناة الآخرى وكذلك عليك أن تنسحب من كثير من المنحنيات الخاصة بأشياء آخرى غير مناسبة لك أو أنت غير موهوب فيها بما يكفى أو هى منحيات لأشياء مستفرة ستظل فيها محلك سر مهما فعلت

حتى تستطيع أن تركز فى السباحة

إذن فلماذا توجد هذه الحفرة أصلا؟ لماذا المعاناة؟

ﻷنه لو لم توجد الحفرة ﻷصبح كل الناس أبطال. لابد أن يكون هناك شىء يفرق بين المبتدئين وبين الأبطال. فلا تنظر لهذه الحفرة على أنها شىء سيىء بل هى طريق يوصلك من خطوة البداية إلى الاحتراف والتميز.  ولو فكرت قليلًا ستجد أن هناك من يصنع هذه الحفر متعمدًا طوال الوقت

مثلا أستاذة الجامعات فى كلية هندسة

الكثير من المشاريع والامتحانات الصعبة التى من الممكن اعتبارها حفر

ولكن ما أن تعبر هذه الحفر حتى تصل للتميز ومن يقع فى الحفرة يترك الكلية أو يرسب

إذن الملخص:

– ابحث عن الأشياء التى عندك فيها موهبة وتستهويك

العالم يحتاج لكل الوظائف ولكل الرياضيات  ولكل الفنون

المهم أنت تعرف أين هى موهبتك حتى تستطيع أن تتميز فيها وتكون بطلًا

– لا يغرك حظ المبتدئين فى البداية واعرف أنه لابد أن تمر بحفرة بل بعدة حفر لتتميز

– ثابر وادفع حتى تصل للتميز

– بعد وصولك للتميز لابد أن تستمر فى إعطاء مجهود لتستمر فى التميز

– والأهم أن تنسحب من كل الأشياء التى تعرف أنها لن تتحسن ولن تصل بك للتميز

حتى تستطيع أن تركز فى الشىء الذى تتميز به

– كلما انسحبت مبكرًا من شىء مستقر أو غير مناسب لك كلما كان أفضل بكثير

ملحوظة لمن يفكرون فى البدء فى الدكتوراة ومن هم فى بداية الطريق

برجاء إعادة قراءة مثال التزحلق على الجليد عدة مرات

ﻷن حفر الدكتوراة طويلة وعميقة فإذا لم يكن الشىء المناسب لك وإذا لم تكن ستتميز به فخليك ذكى وركز فى حاجة تانية أحسن

ملحوظة: لطلبة الدكتوراة

إذا قررت أن تستمر فى منحنى حفر الدكتوراة فعليك أن تتميز بها وأن تخرج من الحفرة بأفضل أداء ممكن لذا فأرجو أن تعد قراءة مثال السباحة عدة مرات

نعم عليك أن تنسحب من الكثير من الأشياء الآخرى

والله الموفق والمستعان

دينا سعيد

12-3-2013

References:

The Dip: A Little Book That Teaches You When to Quit and When to Stick

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

3 responses »

  1. Bensaid Siouar قال:

    سلام دينا ،
    شكرا على كل ما تقدمينه في هذه الصفحة ، أنا كان عندي سؤال او بالأحرى طلب مساعدة ، أنا كمان طالبة دكتوراه ، وأواجه صعوبات في رسالتي ، ارغب كثيراً في تخصيص وقت للمطالعة ولكن عقلي الباطن يلعب علي و يقول لي الوقت إلي حتخصصيه في قراءة كتاب ادرسي فيه أحسن ، ….و في النهاية لا أفعل شيئا ، لا ادرس و لا أطالع بل أضيع وقت في التلفاز وعلى النت :((
    لا أدري كيف اتغلب على خداع ومماطلات عقلي الباطن :(( –

    • ربنا يكرمك، كلنا نعاني من هذه المشكلة
      اعتقد أنه من الأفضل تخصيص وقت محدد للقراءة ولو ساعتين لمدة 3 أيام فى الأسبوع
      مثلا سبت – اثنين – اربعاء من الساعة 5 إلى الساعة 7
      ومن الممكن أن تطبع الأبحاث التى تريد قراءتها وتذهب لمكان معزول للقراءة
      ليس فيه كمبيوتر أو انترنت أو تليفزيون، إذا كانت هذه الاشياء تشتتك فعلا
      وبالتجربة ممكن توصل إلى أحسن مكان وطريقة تركز فيهم

  2. ahmad قال:

    ربي يكرمك يا دكتورة , منذ ثلاث سنوات وانا اقراء هذه المقالة واحاول ةطبقها ع نفسي في الحالجات اللي انا اعملها من دراسو ورياضة وعلاقات وعادات يومية , ف انا استاذنك ب اني راح اسوي برزنتيشن بهذا المحتوى ل اصحابي . و جزيت خيرا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s