يعتبر فيلم حياة “باي” من أكثر الأفلام امتاعًا للبصر من حيث مشاهد الطبيعة الخلابة التى تسحرك من فرط روعتها كما أن الحبكة الدرامية للفيلم تجعلك مأخوذًا بأحداثه إلى درجة قد تذرف فيها دموعًا تعاطفًا مع “باي”.
ولكن بعيدًا عن امتاع البصر والدراما فهناك قضية فلسفية يقوم عليها الفيلم تشخذ عقلك للتفكير. هذه القضية هى قضية الإيمان بالله وقد كان صانعو الفيلم من الذكاء بحيث جعلوا إثارة هذه القضية فى الفيلم تعجب كل من الملحدين والمؤمنين بالله فكلاهما اعتقد أن الفيلم يخدم قضيته وهنا تكمن المهارة.

تبدأ أحداث الفيلم عندما ذهب كاتب الرواية إلى “باي” صاحب القصة ﻷن والدته أخبرته أن “باي” لديه قصة قد تجعله يؤمن بالله وهنا يبدأ “باي” فى سرد أحداث قصته للكاتب ولكنه يقول له العبارة التى يكررها فى نهاية الفيلم مرة آخرى:
You Believe in what you want
أنت تؤمن بما تريد أن تؤمن به.

“باي” هو فتى من أسرة هندية، تعلم الهندوسية من والدته ثم دخل الكنيسة صدفة فآمن بالمسيحية أيضًا، ثم شاهد المسلمين يصلون فقرر أن يكون مسلمًا ويصلى مثلهم. بمعنى آخر أنه آمن بثلاث ديانات فى وقت واحد مما جعل والده يسخر منه مرة ويقول أتريد أن تقضى عمرك كله فى الأجازات لذلك تؤمن بثلاث ديانات؟

والد “باي” يمتلك حديقة حيوانات فيها نمر اسمه يعجب به “باي” ويحاول الاقتراب منه فيعلمه والده درسًا لا ينساه عندما يحضر خروف بجوار النمر ويتركه يراقب النمر وهو يلتهمه حتى يتم أن النمر مفترس ولا يجوز اتخاذه صديقًا، ولكن يقرر الوالد بيع كل شىء فى الهند والهجرة إلى كندا على سفينة ويأخذ معه حيوانات الحديقة ليبيعها هناك ولكن السفينة تغرق وينجو “باي” على احد قوارب النجاة ويفقد كل عائلته، ولكنه لم يكن وحيدًا على القارب فقد كان معه حمارًا وحشيًا ثم انضم إليهما قردة شمبانزى، وضبع.

تبدأ الدرما عندما يتشاجر الضبع مع الحمار ثم يجرحه ويقتله ثم يفعل المثل مع القردة فيصرخ “باي” وهنا فجأة يظهر النمر الذى يتخلص من الضبع ليكون هو و”باي” فقط على سطح السفينة. ولمدة تقترب من 225 يومًا يمكثان سويًا. فى البداية يحاول “باي” الهرب من النمر باستمرار إلى عوامة صنعها ثم يأخذ قرارًا بترويضه وينجح فى ذلك.
فى نهاية الأمر يصل “باي” إلى شواطىء المكسيك منهكًا من التعب ويسقط على الأرض فى حين يجرى النمر نحو الغابة دون أن يلتفت له مما يجعل “باي” يشعر بالحزن الشديد ﻷنه كان يظن أنه صديقه.

هذه هى القصة التى دارت أحداث الفيلم حولها ولكنها لا تقنع المحققين الذين يريدون معرفة سبب غرق السفينة وبعد كثير من الضغط يخترع “باي” لهما قصة آخرى وهى أنه كان معه على القارب بحار يابانى جريح وأمه والطباخ ولكن بسبب قلة الموارد يقتل الطباخ البحار ثم يقتل أمه فيقتله “باي” ويمضى بقية أيامه على السفينة وحيدًا حتى يصل إلى المكيسك.

كاتب الرواية يحاول أن يفك الرموز فيقول له إذن البحار هو الحمار والقردة هى أمك والضبع هو الطباخ وأنت هو النمر. فيسأله باي: لقد رويت لك روياتان فى كلاهما غرقت السفينة وفقدت أسرتى كلها فأى الروياتان تفضل؟ فيرد: الرواية التى فيها النمر فيقول “باي”: وكذلك الأمر مع الله.
You believe in what you want

فما هى الرواية الحقيقية وما الذى حدث بالظبط؟
قد تكون الرواية الأولى بوجود الأربع حيوانات قد حدثت وقد تكون رواية الأشخاص هى الصحيحة وقد تكون كلا الروايتان خاطئة و”باي” كان يتوهم كل شىء حتى يخفف عن نفسه آلام الوحدة والخوف فى المحيط وقد تكون هناك رواية رابعة فيها الثلاث حيوانات: الحمار والقردة والضبع ولكن “باي” هو الذى تخلص من الضبع وتوهم وجود النمر ليتخلص من شعوره بالذنب والوحدة.

ولكن أيا كان الأمر تبقى الحقائق: السفينة غرقت وأهله ماتوا، فما علاقة هذا بوجود الله أم عدم وجوده؟

هذا ما يقولوه الملحدون للمؤمنين: أنتم تتوهمون وجود الإله ﻷنه يجعل حقائق الحياة أجمل وأقدر على الاحتمال. فكيف يحتمل الإنسان وفاة أمه دون أن يعتقد فى حياة آخرى يلاقها فيها؟ وكيف يتحمل موت الظالم دون أن ينال عقوبة بدون أن يعتقد أن هناك من سيحاسبه فى حياة آخرى على ذلك؟ وكيف يتحمل مرضه الجسدى بدون أن يعتقد فى ثواب الصابرين؟ وكيف يتحمل وجود ولده فى مخاطر دون أن يعتقد أن ينفعه بدعائه؟
فى كل الاحوال: الأم ماتت والظالم مات والمرض حدث والولد فى مخاطر ولكن وجود الإله والحياة الآخرى يجعل الأمر محتملًا على عقل الإنسان ونفسه. ولذلك يقول الملحدون أن الإنسان اخترع الأديان منذ قديم الأزل وعاش فى هذا الوهم ﻷنه أجمل أن يتخيل وجود قوى أكبر منه فى الكون ترعاه وتحميه وبدون وجودها قد يفقد عقله.

ولكن من جهة آخرى قد يستخدم المؤمنون مع الملحدين نفس الأسلوب: ولماذا لا يكون أنكم أنتم من اخترعتم عدم وجود الإله ﻷنها القصة التى تريدون تصديقها فعندها تتخلصون من أعباء الفروض والطاعات، عندها لا تشعرون بذنب الخطيئة ﻷنه لا يوجد تعريف للخطئية، عندها تشعرون أنكم أرقى فكريًا ﻷنكم تخلصتم من أوهام الإله وهو شعور جيد. لماذا لا يكون العكس؟ لماذا لا يكون هذا هو الوهم الذى تريدون تصديقه؟

وهذه هى الفكرة التى يقوم عليها الفيلم
You believe in what you want

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

4 responses »

  1. salma subh قال:

    حضرتك شوفتي الفيلم على اليوتيوب ؟ ممكن لو موجود رابط الفيلم ؟

    شكرا على المقال لأنك شوقتيني جدا جدا🙂

  2. […] You End Up Believing What You Want to Believe You bias your interpretation of evidence toward what you desire. دي فكرة فيلم Life of Pi اللي كانت قضيته اثبات وجود الاله برضه https://dinasaid.com/…/life-of-pi-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-…/ […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s