: حلقات القلب الغاضب منفصلة متصلة يجمع بينها الطبيب النفسى د. ياسر

لمراجعة الحلقات السابقة برجاء الذهاب للرابط التالى

link

تنويه 2: هذه قصة لا يشترط أن تعبر عن وجهة نظر الكاتب أو رؤيته ولكنها قد تعبر عن شخص آخر يعرفه الكتاتب أو من وحى خياله

—————————————–

ضياع الحلم

——————————————-

على باب الاسانيسر قابل د. ياسر جارته جاره الناشط السياسى الشاب “عصام” فحياه تحية الصباح ولكنه لاحظ وجومه وشروده فحاول يتجاذب معه أطراف الحديث.

د. ياسر: ما أخبار الاعتصامات والمظاهرات يا عصام؟

عصام: زى ما هى. كل حاجة زى ما هى

د. ياسر: منذ فترة لم أرك فى أى برنامج تليفزيونى ولست أرى لك نشاط كعادتك على الفيس بوك وتويتر

عصام: لكن الكلام لم يعد يفيد بشىء. كل شىء ضاع

د. ياسر: ما الذى ضاع بالتحديد؟

عصام وهو ينظر للأرض: كل شىء. نحن جيل سُرق منه الحلم. كل شىء انهار وسط تجار الدم والسياسة

د. ياسر وقد بدأ يشعر أن “عصام” يعانى من مشكلة حقيقية: أريد أن أسمع المزيد منك، عندى متسع من الوقت. أتمانع أن نذهب للقهوة التى فى أول الشارع؟

عصام وقد بدا عليه التردد: أظن أنى يجب أن أذهب لملاقاة صديقى

د. ياسر: تستطيع أن تؤجل ميعادك معه نصف ساعة حتى نتهى من حوارنا

عصام: كما تريد

جلس عصام ود. ياسر إلى أحدى موائد المقهى وحرص د. ياسر أن يجلس أمام عصام حتى يرى تعبيرات وجهه وكان من الملاحظ أن عصام لم يتكلم مع صديقه المزعوم ليؤجل الميعاد.

د. ياسر: كنت تقول لى أن حلم جيلك قد ضاع أو سُرق. ما الحلم الذى تقصده؟

عصام: الحلم أن تكون مصر حرة قوية مستقلة. أن تكون دولة متقدمة عادلة

الحلم الذى كنت أنزل من أجله المظاهرات مع “كفاية” والذى قضيت من أجله 18 يومًا فى التحرير

الحلم الذى أعرف 10 شباب فقدوا أرواحهم وعيونهم من أجله. وهناك الكثيرون الذين لا أعرفهم ولكن أعرف أساميهم ووجوههم وهم يطارودنى دائمًا.

د. ياسر: يطارودنك؟ أتعنى فى الحلم؟

عصام: فى الحلم وفى اليقظة. أرى وجهوهم ودمائهم طوال الوقت تلعنى وتلعن جيلى كله الذى أضاع دماءهم هباء فى دهاليز السياسة.

أتعلم ما هو أصعب شىء على نفسى؟

د. ياسر: ما هو؟

عصام: أن هناك المزيد كل يوم يموتون. ولم أعد أعرف هل من الواجب أن يموت هولاء من أجل تحقيق حلم من مات

أو أن دماءهم أيضًا ستضيع هباء فلنوقف كل حمامات الدم هذه ونقنع بأن حلمنا ضاع بلا رجعة. وأننا كنا فى منتهى السذاجة والعبط عندما حلمنا هذا الحلم

د. ياسر: أوافقك أنه شعور مريع ألا تعرف ماذا تفعل وأن تصل لدرجة أنك تشعر أن أى كلمة منك قد يضيع بسببها أرواح آخرى بريئة. ألهذا توقفت عن الكلام فى السياسة؟

عصام: بالظبط. فقد بدأت أفهم أن الأمر فى نهايته مجرد مصالح اقتصادية متصارعة تستخدمنا نحن كوقود للحرب

أشعر فى كل وقت بكلمة “أمل دنقل”:

لا تحلموا بعالم سعيد فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد

كلهم قيصر، سواء كان يرتدى بدلة عسكرية أو مدنية أو بلحية أو بدونها

لا توجد فائدة. كلهم يتحولون لقيصر أول ما يمسكون السلطة فى أيديهم أو ربما كان قيصر متخفى داخلهم منذ البداية.

د. ياسر: إنى أسمعك تقول أنه لا فائدة من الثورة على الظلم ﻷن من سيأتى سيكون على أية حال ظالمًا أيضًا  لذا فقد قررت عدم الكلام فى السياسة أو العمل بها، أهذا صحيح؟

عصام: إلى حد كبير. قررت أن أتوقف عن العمل السياسي

ثم شرد ببصره لحظة واستطرد فى الواقع لقد قررت أن أتوقف عن كل شىء

د. ياسر: ما الذى تعنيه بكل شىء؟ هل قررت الانتحار مثلا؟

عصام وقد زاغ بصره:

شىء قريب بهذا، لا استطيع أن أتناول سمًا أو حبوبًا ﻷن أهلى سيعرفون أننى مت منتحرًا وسيكون الأمر صعبًا جدًا عليهم. أحاول أن أجعل الأمر يبدو كحادثة وبغير تخطيط منى. كأن أعبر الطريق بلا اكتراث أو أقود السيارة بتهور أو ربما أنزع فرامل السيارة يومًا وأقودها.

أخذ د. ياسر يستعيد ما يعرفه ما يعرفه عن الكلام مع شخص يخطط للانتحار. من الجيد أنه لم يتردد وسأل السؤال مباشرة عندما لاحظ فى كلمات عصام وتصرفاته ما قد يدل على تفكيره فى الانتحار. والآن هو يريد أن يستخرج من داخل عصام سببًا قد يجعله يرغب فى العيش. لو لم يكن جزء فى عصام يريد الحياة لما تكلم معه. عصام منهار نفسيًا ومن داخله يريد من يمد له يد المساعدة لينشله من الجزء الذى داخله الذى يجعله يريد الموت.

د. ياسر: تعرف يا عصام أنى أحبك كثيرًا وأنه من المحزن أن أشاهد شابًا يافعًا مثلك يريد إنهاء حياته ﻷن حلمه ضاع. ولكنى أراك تخاف على أهلك كثيرًا وكيف سيحزنون إذا عرفوا بانتحارك. أليس كذلك؟

عصام: طبعًا. لن تتحمل أمي الشعور بالذنب أنى كان بداخلى كل هذا الحزن وهى لم تتنبه له. الأفضل أن أموت بلا تخطيط وإن كان هذا سيقتلها أيضًا. لقد رأيت أمامى عشرات الأمهات للشهداء وأعرف ما الذى يعنيه حزن أم على ابنها.

د. ياسر: إذن فأنت لا تريد أن تسبب ﻷمك الحزن بموتك

عصام: أكيد ولكنى قد أموت أيضًا فى أى لحظة وتحزن هى فما الفارق؟ الفارق أنى هنا اختار الموعد وأهرب بنفسى من كل العذاب الذى أنا فيه.

د. ياسر وهو يفكر فيما يقوله لعصام. يعرف أنه لا يجب أن يذكره بعقاب الله للمنتحر ما لم يذكر عصام هذا بنفسه، فإذا لم يكن بداخله فهو ليس بدافع جيد للحياة بالنسبة له. الآن هى فقط أمه التى يريد أن يحيا حتى لا تحزن

د. ياسر: ما أسمعك تقوله أنك لا تريد ﻷمك أن تحزن بسببك بان تكون أنت من حددت موعد إنهاء حياتك بنفسك. قل لى يا عصام أنت من فترة على هذه الحالة فلماذا لم تحاول الانتحار من قبل؟

عصام: أقدمت على الخطوة كثيرًا ولكن فى اللحظة الأخيرة أتردد. ربما كان جبن منى وربما خوف مما بعد الموت مما يقوله الشيوخ عن عقوبة المنتحر

د. ياسر: فأنت تقول أن ما يجعلك تتردد هو خوفك من الله؟

عصام: أحيانًا ولكنى أفكر أن من الأولى أن يعاقب الله كل هولاء الظلمة وسفاكين الدماء بدلًا من أن يعاقب بائس مثلى فر من جحيم الدنيا. أنا فى عذاب حقيقى يا د. ياسر. إذا تكلمت شعرت بالذنب وإذا صمتت شعرت بالذنب ﻷنى لابد أن أتكلم وصور الموتى ودمائهم تتطاردنى. أريد أن أخلص من كل هذا ولا يوجد طريق غير الموت.

د. ياسر: أنا أشعر بعذابك واستطيع أن اتخيل كيف ما تعيشه صعبًا. فقد كنت فى الجيش أثناء حرب 73 وشاهدت أصدقائى يمتون أمام عينى وعشت فرحة النصر وكان عند جيلى حلم لمصر أيضًا ولكن كل هذا انهار مع معاهدة السلام ودخول الرأسمالية وتوحشها فى مصر. أعرف ما تعانيه، فقد مررت به من قبل ورأيت الكثيرين مما عاشوا فيه.

عصام: بالظبط. دائمًا ما أفكر أن ما يحدث لجيلنا شبيه بما حدث لجيلكم. فى الحالتين نحن حققنا شيئًا مستحيلًا لم يكن يتصوره أحد وفى الحالتين الحلم الكبير انهار بل وقد قيل لجيلكم أيضًا أن حرب أكتوبر كانت خدعة وبترتيب بين أمريكا وإسرائيل والسادات كما يقولون لجيلنا الآن أن الثورة كانت خدعة تم استخدامنا فيها،  وكذلك كان منكم من ركب الموجة ومن انعزل وآثار أن يعمل فى صمت ومن هاجر وترك الدنيا بما فيها ومن انتحر

د. ياسر: بالظبط كان هناك كل هولاء. ولكن دعنا نتخيل ماذا كان سيحدث لو لم تقوم حرب 73 وظلنا فى شعور الهزيمة والانكسار حتى يومنا هذا؟

عصام: لا أعرف يا دكتور ما هو الأفضل. هل الأحسن أن تعيش تسعى لحلم صعب التحقيق؟ أم أن تحققه ثم تكتشف أنه كان وهمًا كبيرًا؟

د. ياسر وقد لاحظ أنه تأخر على ميعاد عيادته فوجب عليه أن ينهى المناقشة ولكنه فى نفس الوقت لا يريد أن يترك عصام حتى تسيطر فكرة الانتحار عليه ويفعلها.

د. ياسر: انظر يا عصام. ما سمعته منك اليوم أن هناك جزء فيك يريد الموت ﻷنك ترى ضياع حلم جيلك وتريد أن تتخلص من شعورك بالذنب سواء شاركت فى الحياة السياسية أم لم تشارك بها وجزء ثانى فيك يريد الحياة ﻷنك تخاف على حزن أمك ومن عقوبة الله للمنتحر.

هل ما أقوله صحيحًا؟

عصام: إلى حد كبير

د. ياسر: إذن فلنعقد اتفاقًا ألا تحاول الانتحار حتى نتكلم غدًا ونحاول أن نفكر معًا كيف نحمى نصفك الذى يريد الحياة من نصفك الذى يريد الموت

هل يناسبك الساعة 10 صباحًا؟

عصام: نعم.

د. ياسر: وهذا هاتفى المحمول تستطيع أن تتصل بى فى أى وقت، إذا احتجت لى. والآن ما الشىء الذى توعدينى وتوعد نفسك به؟

عصام: أن احافظ على حياتى حتى نتقابل غدًا.

د. ياسر: وأن تتكلمى إذا احتجت لى. إلى اللقاء غدّا

——————-

خطوات التحدث مع الراغب فى الانتحار مستوحاة من ورشة عمل  فى

Sucide First Aid, Calgary, Canada

وقد قمت بتلخيصها هنا

link

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s