مارس 1993

تجلس على الأرض تتابع برنامج اليوم المفتوح فى ذكرى عبد الحيلم حافظ، تسمع ﻷول مرة رسالة من تحت الماء.

تأخذها الكلمات بعيدًا

“الموج الأزرق فى عينيك ينادينى نحو الأعمق وأنا لا عندى تجربة فى الحب ولا عندى زورق”

تسمع من ورائها زوج خالتها يتكلم مع أمها ويقول أنه متعجب أن الجيل الجديد يسمع لعبد الحليم ويتأثر به رغم مرور كل هذه السنوات على وفاته. تبتسم فى خجل فربما كانت الوحيدة من بين صديقاتها التى تسمع لعبد الحليم وتنفر من مطربى جيلها (عمرو دياب ومصطفى قمر)…يقوم زوجها خالتها ليرحل ويضع يديه على الخضار والفواكه واللحوم التى أحضرها معه ويقول عبارة لم تنساها أبدًا

“والله أنا أحضر لكم ما أحضره لبيتى بالظبط…لو احتجتم أى شىء كلمونى”

والدها مسافر معظم الوقت وزوج خالتها كان يحاول أن يقوم مقامه..كان هو ووالدها صديقان وفى كل مرة يعود والدها من السفر يذهبان لزياة خالتها وزوجها، كان من النوع الذى يسخر من كل شىء حتى من نفسه. كان يضحكها كثيرًا وأحيانًا آخرى تتورد وجنتاها خجلًا من بعض تعليقاته الخارجة نوعًا

مارس 1995

لا تتذكر كيف حدث الأمر ولكنها تتذكر أمها وهى تلبس ثوبها الأسود فى عجالة وهى تبكى..تقول لها أريد أن أتى معك فترد فى حزم لا عزاء للصغار. لماذا تعتبرها والدتها صغيرة هى فى الصف الثالث الإعدادى. سمعت فى اليوم الذى قبله والدتها تتكلم مع خالتها فى التليفون وهى تخبرها أن زوجها يتقيأ دمًا..تفاصيل كثيرة حدثت فى الشهور الماضية معظمها لا تفهمها..ربما كانت أول مرة تسمع فيها كلمة “سرطان”

سافر زوج خالتها للعلاج فى القاهرة ومكث فترة طويلة فى مستشفى بشارع مصدق..لحسن الحظ كانوا هم أيضًا وقتها فى القاهرة ويقيمون بالقرب منه ولذلك كان يزورنه كثيرًا. لم تفكر يومًا أن ينتهى كل هذا بالموت..بعدها سنوات كثيرة ستعمل فى مكان قريب من المستشفى وستعبر من شارع مصدق كثيرًا وفى كل مرة تتحاشى النظر إليها وكأنها وباء.

لم تدر ماذا تفعل عندما خرجت والدتها للعزاء. ذهبت لحجرة صالون منزلهم ووضعت بعض الموسيقى الصاخبة وظلت ترقص وترقص حتى انهارت. لسنوات عدة سيرادوها شعور بالأثم ﻷنها رقصت يوم وفاة زوج خالتها ثم فى  مارس 2013 ستقع فى يديها رواية اسمها “النبطى” وتقرأ فيها عن بنت فى مثل عمرها وقتها اطلقت ساقيها للرياح عندما سمعت بمقتل عمها وظلت تجرى وتجرى حتى وصلت لآخر العالم فى ظنها وفقدت وعيها من شدة التعب. أيكون هذا دائمًا هو رد فعل الصغار تجاه الموت؟ هل يتحركون حتى لا يفكرون بشىء تعجز أذهانهم عن استيعابه؟ كيف يمكن لطفل أن يفهم أن شخصًا يحبه قد اختفى هكذا؟

فبراير 1998

هل تكفى سنتان لينضج الإنسان؟ ليصبح أكثر تقبلًا لفكرة الموت؟ وهل تقبل الموت نضوج حقًا؟

ما الذى جعلها تتعامل مع وفاة جدها بشكل مختلف؟

هل لأنه أصيب أيضًا بالسرطان فكان عقلها مهيئًا لفكرة رحيله؟

هل ﻷنها استيقظت يومها من النوم تبكى وتهتف باسمه وتخبر والدتها أنها تشعر أن مكروهًا حدث له؟

هل تكون الأحلام فى بعض الأحيان رحمة للإنسان حتى لا يفاجأ بأمر غير مستعد له.

عندما وصلت لبيت جدتها، انشغلت بخالاتها وأمها وتهدئة كل واحدة فيهن

وقضت الوقت ما بين قراءة القرآن وذكر الله

ولكنها لا تتذكر أنها بكت

تتذكر فقط أن يومها لم تذهب لدرس الرياضيات

وكان موضوع الدرس هو التباديل والتوافيق

ذاكرته بمفردها ولم تفهمه جيدًا واستحت أن تطلب من المدرس أن يشرحها لها مرة آخرى

ولكن لسبب ما ظلت طوال عمرها تشعر بالضيق كلما رأت مسألة تباديل أو توافيق

وودت لو تركت كل شىء وقتها وانطلقت لتجري حتى تسقط من التعب

يونيو 2012

تجلس مع صديقاتها فى شقة بالساحل الشمالي، يحمل الموبايل خبرًا آخر من تلك الأخبار التى تود عند سماعها لو لم يخترعوا الموبايل  والتليفونات وكل وسائل الاتصالات الحديثة

قديمًا عندما كان يموت  أحدهم، كان يذهبون لأقرباه ليخبروهم..ربما وقتها خفف حضنًا أو لمسة من وقع الخبر

ولكن هذه التليفونات تجعل كل شىء باردًا وسخيفًا

أخبرنى كيف تواسى شخصًا يبكى على الهاتف؟

كيف ستشعر بدموعه أو تتنيحه وتخزن هذا فى ذكراتكما المشتركة والتى تكون منبعًا مستمرًا لعلاقتكما؟

كيف تتصرف إذا مات شخص لم تره منذ سنتين وكنت تخطط لزيارته الأسبوع القادم؟

وهل تكفى الدموع؟ وهل يكفى الندم على عدم تبكير الزيارة؟ على عدم السؤال بالتليفون حتى يحين موعد اللقاء؟

على كل هذه الأشياء التى كنت تريد أن تخبره بها وفى لحظة اكتشفت أنك لا تستطيع ذلك؟

لذلك لم تبك ولم تنفعل..استيقظت فى الثالثة فجرًا أو ربما هى لم تنم

أخذت تغسل كل الأطباق المتراكمة، تنظف كل شىء وتعيد ترتيبه

وعندما انتهت تساقطت من التعب

بعدها ربما بشهور أو أيام كانت تدعي فشعرت بالذنب ﻷنها من فترة لم تدع لزوج خالتها وجدها

وعندما انتهت من دعائها، انتبهت أنها لابد أن تضيف عمها للقائمة

ﻷنه

مات

وعندها بكت كما لم تبك من قبل

فمن يدريها من الذى ستضمه القائمة العام أو الشهر المقبل؟

دينا سعيد

2-3-2013

16Like ·  · Unfollow Post

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s