نفترض أن مدرسًا من حقبة الخمسينات ركب آلة الزمن لعصرنا الحالى ودخل أحد الفصول ليدرس..هل تتخيلون ما الذى سيحدث؟ سيجد الطلاب يتعاملون معه بطريقة لم يكن يحلم بها فى أبشع كوابيسه..وسيحدث الكثير من التناحر والتشاحن بينه وبينهم ﻷنه يفترض فيهم الاحترام والأدب الجم فإذا به يفاجأ أن الجيل تغير كثيرًا. قد يكون المدرس رائعًا ومتمكن من مادته ولكنه غير قادر على توصيل المعلومة للطلاب ولا التعامل معهم ﻷن الطريقة التى يعلمهم بها غير مناسبة لهم والطريقة التى يعاملونه بها غير مناسبة له..والحل أمام المدرس سيكون أما أن يكون من المرونة بحيث يتغير ويتوائم مع الطلاب أو أن يرحل.

بالقياس لمشكلة الأخوان فى حكم مصر، سنجد أن قيادات الأخوان تعودت أن تتعامل مع أفراد الجماعة بطريقة معينة..هولاء الأفراد أقسموا على قسم الولاء والطاعة ويدفعون نسبة معينة من راتبهم الشهرى لصالح الجماعة ومنهم من تربى فى بيوت أخوانية بحيث تشرب بفكر الجماعة قلبًا وقالبًا. والتلسلسل الهرمى نفسه فى نظام الجماعة قائم على أن هناك مجلس منتخب يتخذ القرارات -وهذا بالطبع لا اعتراض عليه- ولكن المشكلة أن بقية الأفراد فى أغلب الأحوال لا يعرفون أى شىء عن خلفيات اتخاذ هذه القرارات فمثلُا جلسات هذا المجلس ليست مسجلة على الهواء مثل جلسات مجلس الشعب والشورى..وعليه يعتمد الأفراد على بعض الترسيبات التى تتم أيضًا بشكل هرمى ليفهموا لماذا تم اتخاذ هذا القرار أو ربما لا يفهمون..فى النهاية عليهم تأييد القرار والسمع والطاعة وخاصة مع ظروف الجماعة كجماعة مغقلة مطاردة أمنيًا لعقود طويلة.

هذا الأسلوب الذى تعود عليه قادة الجماعة أصابهم بقدر كبير من عدم الشفافية والوضوح بل واللف والدوران ليتلافوا إجابات صريحة عن أسئلة معينة  (راجع أى حوار للرئيس مرسى)..هذا الأسلوب قد يكون يصلح مع أفراد جماعة ولكنه بالتأكيد لا يصلح لحكم بلد بعد ثورة وخاصة أنه لم يصوت حوالى نصف هذه البلد لصالح الرئيس وصوت حوالى 25% منهم لصالحه بعد عصر الليمون..بمعنى آخر أن هناك حوالى 75% من سكان هذه البلد فى شبه معارضة لنظام الأخوان. ولكن قادة الأخوان يصرون على التعامل مع الشعب المصرى بنفس طريقة تعاملهم مع أفراد الجماعة كمثال مدرس الخمسينات الذى يصر على التعامل مع جيل 2013 بنفس طريقة الخمسينات..وفيما يلى بعض الأمثلة على هذ الأمر:

1- وعود الرئيس لمائة يوم:هذه الوعود معظمهما لم يتم تنفيذه كما نعلم ولكننا لا نعلم لماذا..ولنأخذ مثلُا وعد الرئيس بإعادة تشكيل لجنة إعداد الدستور. هل هناك مصرى واحد يعرف تمام اليقين لماذا لم ينفذ الرئيس هذا الوعد؟  البعض يتكهن بكذا أو بكذا ولكن لم يطلع علينا الرئيس ليقول لنا لماذا لم ينفذ هذا الوعد؟  وقتها فليصدقه من شاء وليكذبه من شاء ولكنه لم يقل لماذا حتى الآن -على حد علمى- وهذا فتح الباب ليقول الكثيرون أنه كان يعد بهذه الوعود لينال الرئاسة ثم تنصل منها عندما أخذ ما أراد.

2- الأعلان الدستورى:لست هنا بصدد فتح دفاتر قديمة ولكنى أتحدث عن نقطة الشفافية..التى جعلت الأخوان ينزلون لتأييد هذا الإعلان قبل أن يعرفوا محتواه بينما بقية الشعب يشعر أنه ابن البطة السوداء لا يدرى ما الذى يجرى.ثم عندما ظهر الرئيس فى خطبة تم حشد أفراد التيار الإسلامى لها قال كلامًا من باب أنهم يجتمعون فى مكتب محامى (مرتضى منصور) والحارة المزنوقة إلى آخره.الآن وبعد مضى كل هذه المدة لم نر مرتضى منصور مقبوضًا عليه ولم نر أى دليل على هذه المؤامرة رغم أن الرئيس عين نائبًا عامًا جديدًا استبشر البعض أنه سيفتح كل هذه الملفات وينقض على أصحاب المؤامرة..ولكنه بالطبع لم يفعل شيئًا.إذن فلنتخيل أن الرئيس أخطأ التقدير أو أنه وصلت إليه معلومات خاطئة، ما المانع من الصراحة والاعتذار؟

3- نزول الاخوان إلى الاتحادية:أيضًا سمعنا من ضمن ما سمعنا أن الشرطة تقاعست عن حماية الرئيس فاضطر الأخوان للنزول بأنفسهم للدفاع عنه ولهذا تم إقالة وزير الداخلية فى التعديل الوزارى. لاحظ أن هذا كله سماع وتكهنات رغم أن هذا القرار دفع ثمنه 10 من شباب مصر حياتهم وانقلت البعض على أثره رأسَاعلى عقب. ولكننا لا نعرف إلى الآن لماذا نزل الاخوان إلى الاتحادية؟ لا والأدهى والأمر من ذلك أن يكون عقاب وزير داخلية تقاعس عن حماية رئيس الجمهورية -بفرض صحة المعلومة- هو فقط الإقالة وليس المحاكمة العسكرية مثلا.

فلا تتعجب عزيزى القارىء عندما يصل الأمر أن يهاجم ونشًا قصر الرئاسة فى واقعة أغرب منأى خيال. فلنفترض أن الرئيس لا يهتم بحياته ولكن أنا كمواطن كيف أمن على حالى فى بلد لا تستطيع الشرطة ولا الجيش حماية أكبر رأس فيها. وكيف لمستثمر أجنبى أو سائح أن يفكر فى زيارة هذه البلد.هل المشكلة فى المتظاهرين المأجورين كما يقول الرئيس؟ أم المشكلة الأكبر هى فى عدم سيطرة الرئيس على الجيش والشرطة والمخابرات؟

وهل يستطيع رئيس أن يحكم بدلًا بدون سيطرته على جيشته وشرطته؟

وهل لو كان الرئيس مثلُا بصدد إعادة هيكلة الشرطة ولذلك لا يسمعون كلامه فلماذا لم نعرف هذا؟

وقتها سيكون الشعب معه فى معركته ضد الفساد كما كان مع السادات فى معركته ضد بقايا عهد جمال عبد الناصر فيما سُمى بثورة التصحيح.

4- مشاكل البلد:أعلم أن التركة ثقيلة جدًا ولكنى كمواطن من حقى أن أرى جدية فى التعامل مع مشكلات البلد ليس بطريقة المسكنات التى لم تعد حتى متوافرة ولكن بتخطيط يعرفه أى شخص درس إدراة مشاريع.

مثلُا مشكلة النظافة..سيتم حلها على عشرة مراحل ستأخذ عشرة أو عشرين سنة (لا توجد مشكلة)..المهم أن أرى أمامى كل مرحلة وما الذى سيتم عمله تحديدًا فيها وما الموارد اللازمة لذلك وما الوقت الذى تتطلبه كل مرحلة.وعند التنفيذ إذا حدث تاخر فى مرحلة ما، نجد المسئول يشرح لنا لماذا هذا التأخر ويضع جدولًا زمنيًا جديدًا.

سيقول البعض ولكن هذا عمل رئيس الوزراء الجديد إن شاء الله. اعترض وبشدة فدكتور هشام قنديل قدم خطة زمنية للرئيس موضوعة على صفحته على الفيس بوك. ولكن هذه الخطة لا توجد بها قدر الشفافية الذى أتحدث عنه فمثلُا إصلاح السكك الحديدية تم إدراجها كبند واحد فى الخطة بدون أى تفاصيل.قولوا لى أنا كمواطن كيف أحاسب د. هشام قنديل على إصلاح السكك الحديدية مثلًا.وإذا كان العيب فى د. هشام قنديل، فمن الذى اختاره ومن الذى جعله يستمر فى منصبه؟

5- مشكلة مستشار الرئيس من حزب النور الذى تم إقالته. وطبعًا الرئيس من حقه يقيل من يشاء من مستشاريه ويعين من يشاء ولكن هذا ليس مربط الفرس..مربط الفرس هو الترسيبات التى تمت عن طريق الحرية والعدالة أن الإقالة جاءت لاستغلاله النفوذ..ومر يوم ويومين وأسبوع ولم يتم تقديم أى دلائل على فساد الرجل..فهل كان المقصود ذبحه سياسيًا؟ أم ذبح حزبه؟

أم أنه تمت بعض تفاهمات مع حزب النور وتم الكفى على الخبر مأجور؟

وهل سيجد الرئيس فيما بعد أشخاص من خارج الحرية والعدالة يقبلون بأن يكونوا مستشارين أو مساعدين له وهو يتعامل بهذه الطريقة الفجة مع أزمة علم الدين.

6- أشياء قد تبدو بسيطة ولكن لها دلالة كبيرة مثل جعل يومين من الانتخابات أثناء أعياد المسيحيين ثم تعديل الجدول بعد ثورة الناس. هل  تم الاعتذار عن الخطأ؟ هل تم محاسبة المسئول عن وضع الرئاسة فى هذا المأزق؟ هل نعرف من هو المسئول أصلا؟ولا أى شىء

هذا بعض من غيث للدلالة على أحد الأزمات الأساسية فى حكم الأخوان وهى الشفافية والوضوح والصراحة..وهى الازمة التى أدت لعدم ثقة لدى قطاع كبير من الشعب المصرى فيهم ككل. وإذا أنهارت الثقة بين الحاكم والمحكوم، انتشرت الإشاعات وأصبح من السهل تصديق أى شىء وكل شىء ووصلنا لما نحن عليه الآن.

شعب لا يثق فى حاكمه وحاكم لا يثق فى شعبه باسثناء فصيل واحد منهم.

هل يمكن تدارك الوضع؟ فقط إذا أدرك المدرس أن عليه أما أن يتغير أو يرحل.

دينا سعيد

24-2-2013

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s