ثلاث صديقات تسافرن فى أتوبيس شرق الدلتا (دمياط – القاهرة) مع ابن عم أحدهن الذى يكبرهن سنًا

ثلاث بنات تحملن أوراقهن للتقديم فى المدينة الجامعية

منهن من تسافر أول مرة للمحروسة

ومنهن من سافرت مرة أو اثنين

ومنهن واحدة اعتادت السفر مع أهلها والإقامة هناك لشهر أو أكثر كل عام

ولكن رهبة السفر عندها لم تختلف عن الباقيات كثيرًا

وعندما وصل الأتوبيس إلى محطة القلالى كان عليهن عبور شارع شبرا

الثلاثة كن يرتعدن من الخوف

شوارع دمياط صغيرة وتسير السيارات بهوادة وغالبًا ما تتوقف من أجل أن يعبر المارة الطريق

حتى البنت التى اعتادت السفر للقاهرة من قبل كانت أول مرة تعبر طريق كبير من منتصفه

فقد كانت تنتقل بسيارة والدها دائمًا ولا تتذكر أنها عبرت طريق هكذا من قبل

ستضحك من هذا الموقف بعد أعوام طويلة عندما تعبر أحد الشوارع فى كندا بصحبة زميلة وزميل كنديان

فتقول الزميلة الكندية التى زارت مصر من قبل للزميل

Don’t worry! She is Egyptian and she will be able to cross the road

ظل أكثر شىء يخيفها عند عبور الطريق هو أتوبيسات النقل العام الحمراء

وكانت تتحاول أن تبرر خوفها بالمزاح مع صديقاتها وتقول لا أريد أن تكون نهايتى أمام أتوبيس

أفضل أن أعبر الطريق من أمام مرسيدس أو بى أم دبيو

ولكن هذه الأتوبيسات ترعبها ولم تركبها ألا بعد عام أو أكثر ﻷن أتوبيس ج15 كان أسرع مواصلة من الزمالك -حيث ستأخذ كورسات انجليزى فى الجامعة الأمريكية- إلى الدقى -حيث محل سكنها- وغالبًا كان الأتوبيس غير مزدحم فى وقت انتهاء الكورس فكان من السهل ركوبه

ولكنها ظلت إلى الآن تخاف من عبور الطريق من أمام أى أتوبيس أحمر

كانت مختلفة عن صديقاتها فى شىء آخر..أنها الوحيدة التى قررت دخول هندسة وهن قررن دخول طب..ولم يكن للقرار علاقة بالمجموع

فقد اختارت المجموعة الرياضية منذ أولى ثانوية وبناء عليه لم تدرس أحياء ولم يكن من الممكن أن تدخل الكليات الطبية.

فى مدرستها الثانوية كان هناك 13 فصل فى كل صف…وحوالى 15 بنت فقط اختارت المجموعة الرياضية من بين حوالى 1000 طالبة

وﻷنها مدرسة بنات فكان من الطبيعى أن تكون فصول الأدبى أكثر من العلمى

ولكن كان من غير الطبيعى أن تختار بنت فى هذه البلدة الصغيرة، المجموعة الرياضية إلا لو كانت مجنونة أو أهلها مجانين أو الاثنان معًا

فلماذا اختارت هى هندسة؟

القرار لم يكن وليد لحظة طيش فى أولى ثانوية

بل  تتذكر أنها كانت تخبر دائمًا من يسألها السؤال التقليدى: “عاوزة تطلعى إيه؟”

بأنها تريد أن تصبح مهندسة كمبيوتر

بل أن لديها نسخة من مجلة مدرستها فيها حديث معها وهى فى ثانية إعدادى

وتقول فيه أنها تريد أن تكون مهندسة كمبيوتر

كانت تحب البرمجة كثيرًا والتى درست مبادئها فى مدرسة الراهبات الابتدائية

ولذلك أخذت عدة كورسات فى مراكز متعددة فى دمياط

لم يكن لديها جهاز كمبيوتر ولا تعرف لماذا لم تطلبه من والدها

ولكن بعدها عندما  ستخصص فى هندسة الكمبيوتر سيكون لديها جهاز كمبيوتر تعشقه لدرجة أنها كانت أحيانًا تحلم بصوته وهى نائمة

وتقوم من النوم لتطمئن عليه

ولكن ليس حبها للبرمجة فقط هو الذى دفعها لتقرر أنها تريد أن تكون مهندسة كمبيوتر

فقد كانت تشعر بنفور شديد من الدم وتتأثر بشدة عندما يحكى أحدهم عن مرضه

لدرجة أنها تشعر بالألم فى جسدها

كانت تشعر أن دراسة طب فوق قدراتها البشرية على الاحتمال

وإلى الآن تنظر لأى طبيب على أنه بطل وتعرف أن ممارسة المهنة تصيب المرء بقدر من البلادة

ولكن التأثر بالآم يظل فى العقل الباطن وغالبًا ما تكون هناك نقطة من آن لآخر ينفجر عندها الطبيب نفسيًا

ولكن لماذا كانت فقط الاختيارات هندسة وطب وصيدلة؟

ﻷنها كانت متفوقة بل ومتفوقة جدًا

وبالنسبة لنظام التعليم المصرى الفاشل كان من الصعب جدًا

أن يفكر شخص متفوق فى دخول كلية الآداب مثلًا ليدرس علم النفس

والذى استهوتها دراسته كمادة أدبية فى الثانوية العامة

ولكن لم يكن ليخطر ببالها أن تعمل كاخصائية نفسية فى مدرسة أو جمعية خيرية

على رأى صديقة لها هذه كليات لل

losers

تتذكر أيضًا أنها شاهدت بالصدفة برنامجًا فى التليفزيون لدكتور متخصص فى هندسة كمبيوتر وكان يشرح فيه مبادىء هندسة الكمبيوتر

وقتها بهرها البرنامج واتخذت القرار أن تدرس هندسة كمبيوتر

بعدها سيدرس لها نفس الدكتور (الذى لا تذكر اسمه) كمبيوتر فى إعدادى هندسة

موضوع الصدفة هذا ستكشف أنه سيصاحبها طوال حياتها

وسيكون له أثر كبير فى تحديد مساراتها

ولذلك هى لا تؤمن كثيرًا بالتخطيط وإن كانت تمارسه من باب التوكل على الله

لا تعرف تحديدًا ما الذى دفع صديقاتها لدخول كلية الطب وهل كن تحببن دراسة الأحياء فعلًا أم ﻷنهن متفوقات وهذا هو المتوقع منهن

كن أوائل المدرسة بالمناسبة

ولكنها كانت أكثرهن مجموعًا

ورغم ذلك لم تكن تشعر بالسعادة ﻷنها كانت تود أن تكون من أوائل الجمهورية

ولكن للأسف جاء مجموعها أقل من العاشر بدرجة ونصف

وبناء عليه أصبحت الثمانين على الجمهورية

كانت مجنونة بحلمها هذا لدرجة أنها كانت تدخل التحسين على درجة أو نصف درجة

(ملحوظة: هذه الدفعة كانت من الدفعات التى من المسموح لهم إعادة أى مادة فى دور أغسطس والحصول على الدرجة الأعلى)

عندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة لم تبك

ولكنها شعرت بالإحباط

بعدها ستعتاد أن يفرق بينها وبين حلمها سم أو متر

وستظل تسأل هل تحلم أحلام أكبر من قدراتها؟ أم أنها تبذل مجهودًا أقل من حلمها؟ أم هو فقط القدر والنصيب؟

اكتشفت الصديقات فى المدينة الجامعية مشكلة أساسية: أولهما أن بنات إعدادى هندسة لا تقمن فى المبنى الرئيسى فى ميدان الجيزة

بل تقمن فى ميدان المساحة بالدقى مما يعنى أنهم لن تعشن سويًا فى مكان واحد

وإن كان سيفصل بينهن حوالى 15-30 دقيقة بالمواصلات

بعدها بسنوات ستتزوج أحداهن فى السعودية وتسافر آخرى لكندا وتظل الثالثة بدمياط

ولكن سواء كانت المسافة 30 دقيقة أم آلاف الأميال

وسواء تقابلن مرة كل عام أو كل شهر

كانت هناك شىء دائمًا يجمع بينهن مع صديقتهن الرابعة التى أثرت دخول صيدلية المنصورة

لتكون قريبة من دمياط

صديقات هن منذ أولى إعدادى

متشابهات فى أشياء ومختلفات فى أشياء آخرى

ولكن يجمع بينهن شىء رائع لا يمكن وصفه بكلمات

شىء ستظل فتاة الهندسة تبحث عنه فى كل صديقاتها فيما بعد

وستجده فى بعضهن ولا تجده فى أخريات

وعندما لا تجده توقن من داخلها أن هذه الصداقة لن تدوم وستنتهى بانتهاء فترة الزمالة

هذا الشىء الذى ربما يمكن التعبير عنه بالتقاء الأرواح

بعد انتهاء الإجراءات بالجامعة، أخذهن مرشدهن  وذهبن للتابعى الدمياطى

هذا المطعم ستحبه فتاة هندسة كثيرًا وسيكون على قائمة المطاعم

التى تريد أن تأكل فيها فى كل أجازة تنزل فيها مصر

ولكنها ستذهب دائمًا إلى فرع جامعة الدول العربية بصحبة صديقة آخرى

ستتعرف عليها فى الجامعة لتكون من ضمن صديقات العمر

كان هناك اختبار بسيط فى أحدى ورش العمل عن القيم المهمة فى حياة الشخص واكتشفت فيه أن قيمة الصداقة

هى من أهم القيم عندها إن لم تكن أهمهن على الإطلاق

تقديرها للصداقة يفوق تقديرها حتى للعمل

وكان من نعم الله عليها أنها غالبًا ما كانت تجد هذه الصديقة التى تتلاقى معها روحيًا فى أى مكان عمل أو دراسة أو حتى عمل تطوعى

ولكن تصبح حياتها فى منتهى البشاعة عندما يرحل كل الأصدقاء وتبقى وحيدة

عندها يصبح الانترنت هو الملاذ الوحيد للتواصل مع الأصدقاء فى العالم الافتراضى

فهل كانت تتخيل الفتاة الدمياطية التى تخاف من عبور الطريق أن يأتى اليوم الذى تذهب فيه بمفردها

لبلاد يكسوها الجليد معظم أيام العام؟

وهل كانت تتخيل وهى تبكى فى الجامعة عندما كانت لا تستطيع أن تزور أهلها ثلاثة أسابيع متتالية ﻷن هناك ميد ترم أو تسليم مشروع أنه سيأتى اليوم الذى لن تستطيع أن تراهم ﻷكثر من عام والذى تؤجل فيه سفرها 4 أو 5 شهور ؟

وهل كانت تتخيل وهى تذاكر ليل ونهار فى الثانوية العامة أنها ستعدى عليها فيما بعد أيام وأسابيع فى الدكتوراة وهى متنحة؟

وهل كانت تتصور وهى تشاهد هذا البرنامج للدكتور الذى نسيت اسمه وتقرر أنها تريد أن تصبح مهندسة كمبيوتر أنه سياتى اليوم الذى تفكر فيه جديًا بتغيير هذه المهنة بعد كل هذا المشوار؟

وهل كان من الممكن أن ترى نفسها تكتب عن نفسها بعد15  عام من حصولها على الثانوية العامة لسبب هى لا تعرفه ولكنها تعرف فقط

أنها تريد أن تتذكر هذه البنت ذات الثمانية عشر عامًا

وأنها ليس عندها مانع أن تحكى أشياء كثيرة عن نفسها ولكن المشكلة أنها يجب

أن تتحفظ كثيرًا عندما تتكلم عن الأشخاص من حولها ﻷنه ربما لن يعجبهم أن تتحدث عنهم أمام الناس

وبناء عليه سيكون أمامها خياريان

أما أن تكتب كل شىء وتحتفظ به لنفسها

أو أن تكتب فقط عن نفسها دون الآخرين وتشاركه مع غيرها

وﻷن الخيار الثانى يبدو غير منطقيًا

فغالبًا سيتوقف استرسال الذكريات عند هذا الحد

وشكرًا لحسن استماعكم

🙂

—————–

دينا سعيد

Feb 15- 2013

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s