عبارة يستقبلها الناس بكثير من الاستخفاف، يقول عنها بعض علماء النفس أنها بديل يصنعه الإنسان غير الاجتماعى نتيجة لعدم وجود أصدقاء حقيقين فى حياته فيخلق لنفسه عالم آخر..

أصدقاء فيس بوك!

ما الذى تعنيه هذه العبارة؟ هذا إنسان لم يعش معاك…علاقتك به غير حقيقية…هو مجرد وهم تعيش فيه…

ثم من أدراك أنه شخص حقيقى؟ أو ما يقوله عن نفسه أو ما تعرفه عنه هو حقيقى؟
ربما هو يتلاعب بك..ربما هو جاسوس اسرئيليى من نوعية “ريلى”

ما هذا الهراء الذى تعيشون فيه؟
كيف تأمن لشخص لا تعرفه على أسرارك؟ إذا كان الأصدقاء الحقيقون يغشون ويغدرون ويبيعونك عند أول مفترق طرق…فما الذى سيفعله أصدقاء الفيس بوك؟

عفوًا أيها السادة المحللون! أنتم تعيشون فى عصر غير عصرنا…تُقييمون الواقع بالماضى…كمثل من يُقييم فى القرن التاسع عشر، جهاز التليفون…أو من يُقييم فى العشرينات، السينما..أو من يُقييم فى السبعينات، الانترنت..

بالتأكيد كانت هناك نظريات وتحليلات كثيرة مصاحبة لكل اختراع جديد ولكن كل معظم المحللين يفكرون فى هذا الاختراع بمنطق من لا يفهم ولا يحس ولا يشعر، بمنطق من يرى الحاضر بعين الماضى.

ربما يتفهمون أن تكون هناك بين علاقات على الفيس بوك بين زملاء أو أصدقاء قدامى بعدت بينهما مسافات السفر والغربة، هذا شىء مقبول إلى حد ما…ولكن كيف يتفهمون أن تكون هناك صداقة بين من لم يروا بعضهم البعض ولو مرة واحدة؟ هناك شىء ناقص فى المعادلة.

والحقيقة أنى لا أدرى ما هو هذا الشىء الناقص؟ فهناك من زملائى وأصدقائى من لم أره منذ 10 أو 20 سنة وبالتأكيد شخصية كل مننا تغيرت للغاية…بل أنى اكتشفت من خلال الفيس بوك وما ينشره الناس عن آرائهم وميولهم أن هناك من كنت أظن أنى أعرفه منهم وهو فى الواقع شخصية ثانية تمامًا..وأصبح من الواضح -لي على الأقل- أن الحياة الحقيقية لم تتح لنا فرصة لمعرفة بعضنا البعض بما يكفى…

ما الفارق بين هذا الشخص الذى كنت أعرفه فى الحقيقة وبين هذا الذى أصبح عشرة عمر عن طريق الفيس بوك؟ من هو أقرب؟ من أفهمه ويفهمنى أكثر؟ من يفرح لفرحى ويحزن لحزنى ويقف بجوارى فى مصابى ولا يهدأ له بال حتى أخبره أنى أصبحت بخير؟ هناك من أصدقاء الواقع من يكون صديقًا حقيقًا وهناك من أصدقاء الفيس بوك من يكون صديقًا حقيقًا…لا أجد فرقًا بين كون أحد الصديقيين فى العالم الحقيقى والآخر فى العالم الافتراضى..كلهما معي وكلهما قريب منى ولكن بشكل مختلف.

إذا كنت لا تفهم كلامى ولا تستوعبه..فربما لأنك لم تجربه…هناك أناس كثيريين منذ وقت طويل يقومون ببزنس وصفقات مع أشخاص لم يقابلوهم فى حياتهم..هل يتخيل والدك هذا؟
هل يتخيل أن يدفع نقودًا لشخص لم يره من قبل؟…الأمر ليس بالسذاجة التى تتصورها…فهذا الشخص يزكيه شخص ثقة والشخص الثقة بنيت ثقتك فيه عن طريق شخص ثقة وهكذا تتكون شبكة البيزنس.

وبالمثل فى علاقات الفيس بوك، تتكون شبكة علاقاتك الجيدة بنفس الطريقة عن طريق شخص يعرف فلان الذى يعرف علان..فهناك نوع من الضمان أن هذا الشخص حقيقى وعلى الأقل المعلومات الأساسية التى يقولها عن نفسه حقيقية..بعدها تبدأ فى التعرف عليه وأما تقربه منك او تضع حدودًا حسب ما يكتشف لك من شخصيته وتماشيها مع شخصيتك…ما الفارق بين هذا الأمر وتكوين الأصدقاء فى الواقع؟

وكما فى الواقع ما يقرب بينك وبين الأشخاص أن يجمع بينكم عمل ما..مثلا إدراة صفحة أو مشروع ما أو فكرة ما كلاكما يكتب عنها…عندها ستتكون الألفة لأنكم تتكلمون بشكل شبه يومى وستجد أن هولاء الأشخاص قد أصبحوا ركنًا مميزًا فى حياتك..ولأننا بشر ولسنا آلات، فلابد لنا نتفاعل عاطفيًا ونفسيًا مع الأشخاص الموجودين فى حياتنا…حتى أولئك الموجدون فى العالم الافتراضى والذين لم نقابلهم فى حياتنا.

أما عن الغش والخداع على الفيس بوك…فهناك من معارف الواقع من يكذب ويغش ويظهر بعكس مظهره وهناك من يحسدك ومن يضايقيك بكلامه معتمدًا اهانتك ومن يدبر المكائد وتكتشفه بعد زمن طال أو كثر وبعد أن تكون أمنته على بعض أسرارك…ما الفارق بين الخداع فى الواقع والخداع على الفيس بوك؟ هل اكتشاف الخداع فى الواقع أسهل لأنك ترى ملامح وجه الشخص وحركة جسمه هو يتحدث مثلا؟ شخصيًا لا اعتقد ذلك لأنك ترى هذا الشخص لفترة بسيطة ربما ساعة فى الأسبوع فمن السهل أن يمثل عليك..ولكن فى أصدقاء الفيس بوك، أنت معاهم أغلب الوقت..وهذا يصعب مهمة الخداع كثيرًا…لا استبعد احتمال حدوث الخداع بالطبع..ولكنها تظل نسبة تقارب من نسبة الواقع.

لا أعلم بعد 20 سنة ما التكونولوجيا التى سيتعامل معها أبنائى ولا كيف سيكون شكل أصدقائهم؟ ولا استطيع تخيل هذا كمثل من لم يستطع تخيل الانترنت والشبكات الاجتماعية منذ 30 سنة…ولكنى أعلم إنى سأكون على استعداد لتقبل أشياء تبدو لى غريبة وغير منطقية بمفهوم زمنى..لأنى مررت بتجربة مشابهة لا يستطيع الكثيرون أن يفهموها. وربما لن يكون من الصعب لهم أن يقولون لى أنهم يشعرون بالقلق ولا يستطيعون النوم لأن صديقهم المريخى عنده مشكلة، لأنى كنت شخصيًا يومًا ما فى غاية القلق والتوتر بسبب مشاكل بعض أصدقائى على الفيس بوك,

——————————————

إهداء إلى كل أصدقائى على الفيس بوك وبخاصة أولئك الذين أصبحوا جزءًا منى

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s