عندما تم التفكير فى إنشاء صفحة “اشكرنى شكرًا”
https://www.facebook.com/AshkranyShokrn
كان الهدف الأساسى هو إظهار أنه ما زال بيننا الكثير من الخير وانهالت علينا الرسائل: هذا يشكر والده وهذه تشكر مدرسها فى ابتدائى وهذا يشكر الرجل الذى كان يوصله هو وأخواته للمدرسة وهذه تشكر محفظتها للقرآن وهذا يشكر كاتبه المفضل وهناك من يشكر أشخاص لا يعرفهم كمن حمل معه أشياء ثقيلة أو أعاد له شيئًا ضاع منه إلى آخر الرسائل..كثيرون ممن قرأوا ما يُكتب على الصفحة قالوا أنها أعطتهم الكثير من الطاقة الإيجابية ودفعتهم للمزيد من العمل..لماذا؟

ﻷنى لو كنت مدرس مثلًا وقرأت هذا الذى يشكر مدرسه من 20 سنة وما زال يتذكر اسمه وما زال يتذكر له بعض المواقف التى أثرت فى شخصية تلاميذه فسأفكر ولماذا لا أكون أنا أيضًا قدوة صالحة لتلاميذى؟ الأمر ليس مرتب أتقضاه كل شهر فقط بل هو من أكثر من ذلك بكثير.

ولكن من جهة آخرى ربما يشعر بعض الأشخاص بالإحباط عند قرائتهم هذه المنشورات..فمثلا لو هناك بنت وُلدت يتيمية قرأت شكر كل هولاء الناس لآبائهم وأمهاتهم قماذا ستشعر؟ ولو كان هناك شخص لم يتزوج أو لا يعيش حياة زوجية سعيدة ودخل على الصفحة ليقرأ كل كلمات الشكر التى يواجهها الأزواج لبعضهم البعض فماذا سيفعل؟


أتعلمون أين المشكلة؟ أن هناك من يركز فقط على ما ينقصه..مثلًا لو بحث الإنسان فى ذاكرته عن كل من يستحقون أن يوجه لهم الشكر لوجد المئات وليس العشرات..ولشعر أنه يريد أن يخر لله ساجدًا أنه رزقه بكل هولاء فى حياته ولكتب مئات الرسائل وليس رسالة واحدة. ولكن بعض الناس قد لا يرى كل هولاء ويتألم فقط لأنه حُرم من فلان أو علان أو لأنه بسبب علاقته السيئة بزوجته أو والده أو اخوته أو أصحابه فهو لا يستطيع أن يفكر أصلا أن يشكرهم.

ولكنى اعتقد أنه لو بحث كل انسان منا فى أى من الشخصيات حوله لوجد شيئًا يشكرهم عليهم بل أن أحيانًا اساءة شخص ما لك تكون من أكثر الأشياء التى أفادتك فى حياتك، وأحيانًا يكون سلوك معين تكرهه فى شخص هو الدافع أن تحاول بكل قوتك ألا يكون عندك نفس السلوك.

فى الواقع أنى أتحدى أن يكون هناك شخص طبيعى لا يستطيع أن يجد أحدًا يوجه له الشكر والحالة الوحيدة التى قد نجد فيها مثل هذا الشخص هو أن يكون شخص متمركز حول نفسه self-centered لا يشعر بمن حوله ويرى أن كل ما يفعلونه من أجله شىء طبيعى بل وأقل من الطبيعى (راجع فيلم ألف مبروك).

ولكن هل تفعل الخير ونساعد الآخرين فقط لكى يشكرون لنا جميل صنعننا؟

جميع المتدينين باختلاف أديانهم بل والملحدين اتفقوا على أن نشر ثقافة مساعدة الغير تعود بالنفع على المجتمع وبالتالى على جميع أفراده.

ومن الأفلام الأجنبية التى عبرت عن ذلك “pay it forward” والتى يقترح فيها ولد صغير أن يقدم كل فرد 3 خدمات مجانية لأفراد لا يعرفهم بشرط أن يؤدى كل منهم 3 خدمات مجانية لأفراد آخرين وكانت نظريته أنه فى يوم من الأيام سيجد كل فرد قدم خدمة مجانية من يقدم له خدمة مجانية هو الآخر.

هذه الفلسفة موجودة فى الثقافة الهندية (فى ديانة الهندوس وديانة السيخ) ومعروفة باسم الكارما، إذا فعلت خيرًا سيعود لك خيرًا باى طريقة وإذا فعلت شرًا سيعود عليك شرًا بأى طريقة.

فماذا عن الإسلام؟
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)
“والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه”
إذًا فعلى قدر مساعدتك لغيرك سيأتى العون من الله عز وجل أما عن طريق نفس الشخص الذى ساعدته أو عن طريق أشخاص آخرين أو قد يمنحك الله القوة والصبر والجلد التى تعينك على أمرك أو ييسر أمرك بأى طريقة.

ولكن قد يقول أحدهم أنه يساعد الكثير من الناس ولا يجد أى عون؟

فهنا نرجع لشرط أساسى وهو أهم شىء فى الإسلام بلا مبالغة..الشىء الذى تم ذكره فى أول حديث فى صحيح البخارى..”النية”
يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):
“إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى”
النية أن مساعدتك للغير هى لوجه الله تعالى، هذه النية هى التى تجلب لك العون من الله أما إذا كانت نيتك شىء آخر كمجاملة اجتماعية أو تكبر أو من وذل أو واجب، فعندها عليك أن تنتظر الجزاء من الشخص الذى تساعده، إن كان كريمًا ملكته بجميل صنعك وإن كان لئيمًا تمرد عليك وعض اليد التى مُدت له.

لذا فقد يكون نفس الموقف تمامًا يفعله شخصان مختلفان ولكن شتان ما بينهما بسبب النية..فمثلًا قد تنجح صديقة لى، فأنزل للمحال وأظل أبحث عن أكثر شىء يعجبها واشترى لها كارت واكتب فيه تهئنة وكل هذا ونيتى هى إدخال السرور على قلب مسلم. وقد افعل نفس الأمر تمامًا واشترى نفس الهدية ونفس الكارت واكتب فيه نفس الكلام ونيتى أنها مجاملة اجتماعية وانتظر أن تردها لى عندما أنجح أنا الآخرى.

الفرق بين العمل الأول والثانى هو أن العمل الأول هناك ثواب عليه وسواء ردت صديقتى الهدية أم لم تردها فقد وصل الأجر وبشكل ما سيسعدنى الله جزاء وفاقًا لسعيي لإسعادها..اما العمل الثانى فهو هباءًا منثورًا..ليس عليه ثواب ولا عقاب…هو عمل اجتماعى بحت خاضع لمقاييس الدنيا وحسابات البشر.

لذا فإن كان هناك شيئًا سأقسم عليه فإنى سأقسم بكل ما رأيته فى حياتى وحياة من حولى أن من يفعل خيرًا يجده عن الله هو خيرًا وأعظم أجرًا وأن من يضع غيره قبل نفسه سيجد العون من الله على هموم نفسه من حيث لا يدرى ولا يعلم. ويكفى أن تطالع ما كتبه الناس فى “اشكرنى شكرًا” لتعرف أن “البر لا يُبلى” وأن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث فى الأرض..فإذا كان هذا هو الجزاء الوفاقا من الله سبحانه وتعالى فى الدنيا فما بالنا بيوم القيامة؟!
“يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون”
————–
شكرًا لفريق عمل صفحة “اشكرنى شكرًا” وبخاصة صاحبة الفكرة رواء مصطفى

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s