انطلق صوت مجفف الشعر كأزيز يزيد من صداع رأسها..أدارت المجفف فى سرعة لتتناثر خصلات شعرها حول وجهها الحزين..كان كل فى وجهها ينطق بالحزن..يكفى أن تنظر إلى عينيها المتورمة من أثر الدموع التى سكبتها فى ليلتها حتى غافلها النوم..حاولت أن تفتعل ابتسامة ،يقولون أن الابتسام له أثر على خداع العقل الباطن وإشعاره بالسعادة..لم تدم ابتسامتها لأكثر من ثانيتين لتعود ملامح الحزن تكسى وجهها وتزيد الكآبة بداخلها..حاولت أن تتحاشى النظر إلى وجهها فلم تفلح…عاودت افتعال الابتسام مرة واثنين وثلاثة وعشرة…أخيرًا جف شعرها…مشطته فى عُجالة حتى تهرب من وجهها فى المرآة بأسرع وقت…

انطلقت فى المنزل..أخرجت كل ما جعبتها من حيل لتشعر بالسعادة..أدت صلاتها…ارتدت ملابس زاهية…تعطرت بعطر باريسى ناعم…رتبت سريرها..أعدت فطورًا ملوكيًا من البيض الشهى وعصير البرتقال..يقولون أن عصير البرتقال المثلج يجلب السعادة…انهت فطورها بالكامل..تحركت إلى المطبخ..شعرت بالضيق من الموقد الممتلىء بآثار الطعام..نظفته بالكامل..تحركت أصابعها على سطحه الأبيض البارق وابتسمت…تركت المطبخ وفجأة اصطدمت بالمرأة…ما زال وجهها حزينًا وكأنه يطلع لسانه لها ويغيظها ويقول لها لم تفلحى فى مدارة حزنك.

تحركت إلى حجرتها…وبدأت فى وضع مساحيق التجميل..كثرت من كريم الأساس حول عينيها لتخفى زرقتها…أحمر الشفاه تكفل بشحوب شفتيها…وضعت الكحل وظلال العين بالطريقة المعروفة بالسكموى والتى تجعل العينين مثل عيون القطة…الآن توارى الحزن تحت قناع الأصباغ..شعرت بالشفقة على الرجال ﻷنهم لا يمتلكون مساحيق تجميل تساعدهم على إخفاء حزنهم..ابتسمت وقالت على أى حال هم لا يشعرون بالحزن مثلنا….دارت عيناها بين مساحيق التجميل والعطور والكريمات والحٌلى..حاولت أن تحسب بسرعة الثروة التى دفعتها فى كل هذه الأشياء..هالها الرقم! كم هو أحمق من يعتقد أن هناك امرأة تدفع كل هذه النقود فقط لتبدو جميلة…..تركت حٌليها من يديها لتتساقط فى العلبة المعدنية محدثة رنينًا مميزًا…ألطقت من بينها عقدًا من اللؤلؤ ..وضعته حول عنقها وهى تتذكر عندما أهداها إياه حبيبها بعد شجار بينهما..يحيلون حياتنا لجحيم ثم يرضوننا بحلية أو عطر…ولسذاجتنا نسعد بتلك الهدية التى سوف نتزين لهم بها فى النهاية…مررت يديها فوق حبات اللؤلؤ وهى تقول: كم من أرزاق تعتمد على شقاء النسوان.

نظرت يسارها فرأت حقيبة السفر الموضوعة أسفل ملابسها..دارت عيينها ما بين الملابس والحقيبة…لماذا لا ترحل وتترك كل شىء؟ نظرت يمينها لترى علبة الدواء المسكن للآلآم..جاءتها فكرة أكثر جنونًا..لم تليث أن طردتها من ذهنها وعاودت النظر لحقيبة السفر…تحركت فى بط نحو ملابسها ثم أمسكت بباب الدولاب الجرار وأغلقته وهى تقول: لا يجب أن أنسى باب الدولاب مقتوحًا مرة آخرى…تحركت نحو علبة الدواء ووضعتها فى الدرج الخاص بالأدوية وهى تقول: وهذه لا يجب أن تظل أمامى هكذا…نظرت مرة آخرى فى المرأة ..وابتسمت لجمال زينتها …ثم تحركت لتبدأ يومها …ولكن من آن لآخر كانت تذرف دمعة تجعلها تحمد الله أن زينتها من النوع الغالى المضاد للمياه..أنهت يومها وتطلعت لوجهها…من الجيد أن قناع الأصباغ ما زال يؤدى دوره بمنتهى الإخلاص…ذهبت لفراشها وهنا انفجرت فى البكاء

دينا سعيد

28-12-2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s