جلس “عصام” أمام دكتور “ياسر” وهو يفرك فى يديه كعادته عندما يكون عصبيًا…

دكتور ياسر: خير يا عصام؟

عصام: وهو يضع عينيه فى الأرض: سأكون صريحًا معك يا دكتور…لقد رجعت للمخدر مرة آخرى

دكتور ياسر: منذ متى؟

عصام: بالأمس فقط يا دكتور ..اقسم أنها مرة واحدة فقط ولذلك جئت لحضرتك اليوم

دكتور ياسر:  لو تتذكر يا عصام أننا قلنا من قبل أن الانتكاسة أحد المراحل الأساسية لعلاج الإدمان ﻷنها تجعلك على نوع من الوعى بالأشياء والظروف التى تجعلك أكثر عرضة للإدمان وفى كل مرة تحاول أن تتجنبها..لذا فأنا سعيد أنك جئت لى فى اليوم التالى مباشرة كما اتفقنا من قبل ولم تكمل فى طريق الإدمان…هذا أفضل بكثير.

عصام: ولكنى لم أكن أحب أن أصل لهذه النقطة..هذه ثانى انتكاسة تحدث لى..أريد أن أتخلص من هذا الكابوس للأبد

د. ياسر: دعنا نرى ما الذى حدث هذه المرة…ما الذى تعتقد أنه جعلك تلجأ للمخدر؟ هل قابلت أحد من أصدقائك القدامى صدفة مثلا

عصام:  لا بل أنا من اتصلت بهم ليحضروا لى بالمخدر.

فى الواقع يا دكتور ..الأمر بدأ بها…بأمى

  ذهبت لزيارتها مع زوجتى  من حوالى أسبوعين  وكان الحوار لطيفًا  على غير العادة  ولكنى فجأة اكتشفت أنى نسيت محفظتى فى المنزل وقد انتبهت قبل طلوعى المنزل أن السيارة أوشك البنزين فيها على النفاذ..فسألتها بعشم إذا كان يمكن أن تسفلنى 100 جنيه حتى أملأ الوقود فى طريق عودتى؟

رفضت وأحرجتى أمام زوجتى وقالت  إنى كان يجب على الانتباه وعدم نسيان محفظتى وأنى سأظل طول عمرى مهملًا  إلى آخره

د. ياسر: ثم؟

عصام: لمدة أسبوعين ..تذكرت كل شىء ..كأن  قد دفنت ذاكرتى فى مكان سحيق وفجأة استعدتها..كل ما كانت تفعله بى طوال حياتى

كل كلمة..كل موقف…وبالطبع دخلت فى دوامة اكتئاب…وبالأمس وجدتنى أتصل بالعيال ليحضروا لى المخدر..

د. ياسر وهو يفر فى ملف عصام الذى أمامه: اتذكر أن الانتكاسة الأولى كان سببها أيضًا موقف لوالدتك.

عصام: بالظبط….كانت مكالمة تليفونية قالت لى خلالها أنها علمت أنى تركت العمل وأنى سأظل طول عمرى فاشل  ولن أنجح فى أى شىء

ولكنى تركت العمل ﻷن حضرتك طلبت منى أن ابتعد عن عمل البورصة الذى كله توتر وشد أعصاب وأبحث عن عمل آخر يكون أكثر هدوءًا

د. ياسر: ولكنها لا تعلم هذا …..لا تعلم أنك كنت تتعالج من الإدمان الناتج من اكتئاب حاد وأننا كنا نحاول أن نغير الظروف التى دفعتك للاكتئاب

عصام:  سواء تعرف أو لا تعرف..فى الحالتين ستقول شيئًا ما يجعلنى أتذكر كل معانتى معها ..الامرأصبح لا يٌطاق

   د. ياسر: إذن فلماذا لا  تبتعد عنها؟ تتوقف عن زيارتها والكلام وإذا طلبتك فى التليفون لا ترد عليها

عصام: وأكون عاق لوالدتى؟

د. ياسر: لا يكلف الله نفسًا لا وسعها…من خلال كل كلامك عن والدتك، أراها أم غير طبيعية وشخصية نرجسية كما تحدثنا من قبل

وجودك بجوارها يدمرك نفسيًا..وانت الآن فى مرحلة حرجة من التعافى من الإدمان..لابد أن تبتعد عن المثير الذى يجعلك كل مرة تنهار نفسيًا

عصام: ولماذا لا أصبر عليها؟

د. ياسر: ﻷن الأمر فوق تحملك النفسى..لو كانت والدتك طوال عمرها أم رائعة وعندما كبرت ضاق خلقها، لكان من السهل الصبر عليها ﻷنها لديها رصيدًا جيدُا عندك

ولكن الأمر مختلف، ﻷن أى شىء تقوله يرجع لك كل ذكريات الطفولة الأليمة التى تحاول أن تنساها وتتعايش معها لتواصل حياتك.

تحتاج أن تكون تقوى نفسك نفسيًا لكى تستطيع الصبر عليها..الآن الامر صعب.

عصام: ولكنى أخشى من عقاب الله؟

د. ياسر: ساعطى لك مثال..لنتخيل ان هناك أب يتحرش بابنته  جسديًا وذهبت البنت لشيخ ..ماذا سيقول لها؟

عصام: ابعدى عن والدك

د. ياسر: بالظبط ﻷن الضرورات تبيح المحظروات والحفاظ على النفس من اول مقاصد الشريعة

وأنا طبيب نفسى أرى أن والدتك تتحرش بك نفسيًا ولابد أن تبتعد عنها لتحافظ على اتزانك النفسى

عصام: ولماذا لو أخبرت الناس بذلك وقالت أنى اتهرب منها؟ كيف ينظر إلى الناس كابن عاق؟

د. ياسر: وكيف سينظرون إليك لو عرفوا أنك مدمن او لو وصل الاكتئاب بك إلى مرحلة خطرة؟ إن لنفسك عليك حقًا

سكت عصام ثم ترقرقرت عيناه بالدموع وهو يقول:

رغم كل ما فعلته بى طوال حياتى ألا إنى أحبها..كم كنت أتمنى أن تكون لى أمًا ككل الأمهات..اختبىء فى حضنها عندما أشعر بالضعف..أقول لها يا أمى ساعدنى لكى أشفى ..أحضننى لكى تمنحينى الأمان…كم هو صعب أن يكون حضن أمك هو آخر مكان  تفكر فى اللجوء إليه ﻷنك على يقين أنه سيلفظك بلا رحمة.

كم كنت اود ان أخبرها أن معاملتها السيئة لى طوال عمرى هى من اوصلنى لكل هذا..إنى لا أريد أن ألومها او أعاتبها..أريدها فقط أن تتوقف…أن تتركنى أكون بجوارها بدون أن تؤذينى.

د. ياسر: ولماذا لا تفعل هذا؟

عصام: لأنى أعرفها جيدًا..لن تعترف أنها مخطأة أبدًا ولو كانت على فراش الموت..ستقول إنى انا الضعيف والفاشل ..لو عرفت أمى إنى مدمن فستكون هى من يقاطعنى ولن تفكر للحظة واحدة فى ان تساعدنى..بل سترمينى كما ترمى حذائها القديم.  حتى لا يوجد فى حياتها من يذكرها بفشلها..نفسها عندها أهم من أى شىء.

د. ياسر:  إذن لا يوجد حل إلا المقاطعة حتى تتعافى تمامًا وتمتلك الأدوات اللازمة التى تجعلك أقوى على المواجهة ولحين أن يحدث ذلك أريدك أن تفكر فى كل معارفك وأصدقائك وأقاربك وتكتب قائمة بمن من الممكن أن يكون عونًا نفسيًا لك.من ناحية ثقتك فيه وفى رجاحة عقله وقدرته على الحكم على الأمور..وعندما تحضر المرة القادمة سننافش هذه القائمة لنختار منها شخص او أكثر ليكون داعمًا نفسيًا لك فى مرحلة التعافى.

عصام: إن شاء الله

د. ياسر: هناك شىء آخر..أريدك أن تكتب خطابًا إلى والدتك تقول فيه كل ما تود أن تخبرها إياه ولا تقوى على ذلك..لا تخاف لن ترسل هذا الخطاب ولكنه نوع من تفريغ لمشاعرك على الورق…أكتب ما شئت من صفحات..وإذا وجدت نفسك تسرتسل فى الكتابة فاترك نفسك حتى لو وصلت لعشرات الصفحات.

عصام: ساحاول وإن كنت لا أعرف ما الذى سأقوله تحديدًا..ولكنى سأحاول

د. ياسر: كما اتفقنا..اقطع أى صلة بينك وبين أمك فى الوقت الحاضر ولو حدث و تقابلتم حاول ألا تطلب منها أى شىء ولا تخبرها ألا بأى اخبار عن حياتك الخاصة  وعملك..اجعل الكلام عابرًا   ولا تتدخل فى أى مناقشات أو مجادلات من أى نوع…

دينا سعيد

22-12-2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

  1. غير معروف قال:

    مبكية جدا
    كأم إحاول كثيرًا إلا إقع فيما وقعت فيه هذه الإم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s