كنت أتحدث اليوم إلى مجموعة من الزملاء الأردنين فأخبرونى عن شىء غريب بدأ يظهر فى مؤخرًا فى الثقافة الأردنية وهو تقسيمة “مسلم” و”مسيحى” وبدأ كلام يتكاثر بين حين وآخر أن المسيحيين مضطهدين فى الأردن والدليل أنه لم يأت إلى الآن رئيس وزراء مسيحى..قالوا لى أنهم يستنكرون هذا الكلام بشدة ففى الأردن لا فرق بين مسلم ومسيحى بل أن هناك مدن فيها ما يقارب من نصف سكانها مسيحيون وتلبس النساء المسيحيات إيشارب مشابه
 للمسلمات ومن الصعب أن تفرق أصلا فى الشكل الظاهرى حتى الأسماء بين مسلم ومسيحى!
قلت لنفسى “أنا شفت الفيلم ده قبل كده”
قلت لهم هل تندهشون إذا قلت لكم أن مصر كانت فى هذه المرحلة التى تتحدثون عنها ربما من عشرين سنة فقط؟ اتذكر وقتها استنكار الكثيرون ممن حولى وانا صغيرة لهذا الكلام الذى تذكرون إنه يُقال فىالأردن الآن ولكنى كنت شاهدة بنفسى على تحول هذا الكلام يومًا يعد يوم من مزاعم أو استنكارات إلى حقائق راسخة فى
الوجدان…سأقول لكم ما سيحدث

.تننتشر بعض الفتاوى المتشددة عن الولاء والبراء والتى يبرزها الإعلام على أنها توجه للمسلمين …ولكن للاسف سيصدق بعض المسلمين هذه الفتاوى ويدافعون عنها…ستقوم الكنسية هى الآخرى بالتدخل فى السياسة عن طريق توجيه الناخبين أو إحيانًا إذكاء روح التعصب…بمرور الوقت ستجد شلة منفصلة للمسيحيين فى جامعتك أو عملك وعندما تحكى لوالدك سيرفع حاجبيه ويخبرك ما طول عمرنا شلة واحدة….
ثم تقوم بعض من الحوادث بين المسلمين والمسيحيين يهولها الإعلام على أنها اضطهاد أو تمييز أو أى شىء..ويظل الإعلام يقول ويقول والزن على الودان أمر من السحر..بمرور الوقت ستتحول هذه الحوادث من حوادث مفتعلة إلى حوادث حقيقية ..وستسمع بنفسك من أصدقائك المسلمين عن حوادث كانوا شهود عليها فيها اضطهاد للمسيحيين والعكس..وإذا فكرت أن تتعامل مع زميل مسيحيى سيأتى إليك على الأقل عشرة أصدقاء ليحذرونك من ان تثق فيه والعكس…وربما جاء اليوم الذى يقف فيه أحد ملياديرات المسيحيين الأردنيين فى أمريكا ليقول أن المسيحيين فى الأردن يتعرضون او تعرضوا لإبادة مثل الهنود الحمر وربما فتحت أحدى السفارات الأوربية باب اللجوء السياسى لمسيحيى الأردن..بس خلاص
شرخ عميق فى وجدان الوطن لا يصلحه أعلام يحيا الهلال مع الصليب ولا حكايات الآباء والأجداد ولا وجود فئة غير متعصبة من الجانبيين تتآكل مع الزمن حتى تفكر جديًا أن تبنى لها محمية طبيعية تحميها من الانقراض.
والمصيبة أن الانقسام فى مصر لم يعد مسلم ومسيحيى فقط
بل صار أيضًا أيدلوجى :سلفى ، أخوان ، ليبرالى ، اشتراكى، أبريلى، برادعوى، فولولى إلخ
انظروا ما الذى يحدث الآن؟ انظروا كيف يمتلىء الانترنت والشارع بشتائم واتهامات من كل فئة للثانية فى أول مرة نقسم حولها فى الرأى بعد الانتخابات الرئاسية.
لا أتكلم الآن عن موافقة أو رفض الإعلان الدستورى الجديد
بل أتكلم عما أصبحنا عليه…شرخ يتعمق فى وجداننا بشكل لا يصدقه عقل
هذا ليس خلاف فى الرأى يا سادة
بل هى فتنة…فتنة مشتعلة
لا تقل لى ومن الذى أوقدها؟ ﻷننا كلنا أوقدنها
كلنا أخرجنا أسوأ ما فينا ولا استثنى أحد من أكبر كبير إلى أصغر صغير
فكروا ولو للحظة ما الذى سنصل إليه مما يحدث؟
سنحارب الفساد – سنطهر البلد – سنخلصها من الخونة والعملاء (الذين هم بالطبع من يخالفونك فى الرأى)
صدقونى كل صاحب رأى سواء مع أو ضد له وجهة نظر معتبرة
ليس من الضرورى أن تقبلها ولكن من الضرورى أن تفهم أنه ليس عميل أو خائن بل هو يريد مصلحة البلد ولكن هذه وجهة نظره
بل أن كثيرُا من الأشياء التى تنكرها على الفريق الثانى كنت أنت شخصيًا تفعلها وتقولها ..كل ما حدث هو تبدبل فى الأدوار ليس أكثر…
من فضلكم دعوا الكلام الذى من قبيل سقط القناع وفلان كشف عن وجهه الحقيقى و الخرفان والعبيد والأحرار إلى آخره ﻷن كل هذا يعمق الشرخ الذى يصيب
الوجدان المصرى.
ملخص وجهتى النظر (بصرف النظر عن المغرضين ) هى ببساطة:
هناك من لا يقبل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة (المعارضون)
وهناك من يرى أنه لا يوجد وسيلة إلا تلك الوسيلة (الموافقون)
الأمر بسيط جدًا ورغم ذلك وصل لحرق مقارات وإعداءات بالضرب وقد يصل لحرب أهلية
وحتى لو لم يصل ما يحدث لحرب أهلية فأبشركم أنه قريبُا جدًا
سنرى ثمرة كل هذا الانشقاق كما رأيناها من قبل فى الانقسام بين المسلمين والمسيحين..وأرجوكم أن تطلقوا لخيالكم العنان لتتصوروا ما الذى يعينه هذا لمصر…
يا ليتنا نفكر كثيرًا قبل أن نتكلم ..قبل أن نعمم…قبل أن نقسم الناس إلى أبيض وأسود..يا ليتنا نتفق أو نختلف برحمة…يا ليتنا نفطن إلى من يندس داخل كل فريق ليأجج نار الفتنة ويشطين الفريق الآخر..
أرجوكم أما أن نتعلم كيف نختلف مع بعض
وإلا فدعوها فإنها منتة

دينا سعيد
25-11-2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

2 responses »

  1. ahmed قال:

    د / دينا اكيد حضرتك اصلبتي كبد الحقيقه فما العلاج لوطن الله اعلم اتنجاه احداثه الي اين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s