ابنتى العزيزة نوران:

اكتب إليك هذه الرسالة وأنت ما زلت فى عالم الذر وأبوك فى عالم الغيب ..اكتب إليك لاعترف أولًا أنك لم تشغلى من قبل حيزًا كبيرًا من تفكيرى…نعم فلم أكن أبدًا من أولئك الفتيات الاتى تتخلين ليل ونهار أنفسهن أمهات واللاتى يلعبن مع كل الأطفال على أنهم أولادهن الصغار..ربما كنت عملية جدًا ..ربما كانت غريزة أمومتى مشبعة بسبب أخواتى الصغار…لا أعلم سببًا لعدم تفكيرى بك ولكنى كنت كثيرًا ما أدعو الله أن يرزقنى الذرية الصالحة …أقول “كنت” وأنا أعنيها..أتعلمين لماذا؟

ﻷنى الآن توقفت عن هذا الدعاء أو لنقل أنى أحيانًا أدعوه بلا يقين و بلا أمل…فلست أظن أنى سأقابل يومًا من يستحق أن يكون أباك ..والكارثة  أنى لا أظن أنى شخصيًا أصلح أن أكون أمك…نعم يا نوران..هذه هى الحقيقة فإنى أحيانُا أحمد الله  على عدم وجودك فى حياتى ..أقول لقد عافنى الله من مسئولية جسيمة يعلم أنى لا استطيع أن أوفى بها

أتعلمين يا نوران لماذا أطلقت عليكى فى خيالى هذا الاسم؟ لقد سميتك على اسم كبيرة المحفظات فى الحصرى…كانت بنت تستطعين أن ترى النور الربانى فى وجهها فتشعرين بانشراح فى الصدر لمجرد رؤيتها..بهرنى تواضعها وأدبها الجم…كم أحببت أن يكون فيك جزءًا منها ..لذا سميتك على اسمها..تخيلى يا نوران إنى لم أفكر ا من قبل فيما أريدك أن تحملى منى من صفات..دائمًا ما كان تفكرى منصبًا على أبيك..هذا يصلح..هذا لا يصلح…لا أريدك أن تكونى مثل فلان..لا أريدك أن تشبهى علان من قريب أو بعيد ذاك…لم يكن يعننى كثيرًا أن يكون فلان هذا زوجًا رائعًا معى أو أن أحبه او أكره قدر ما كان يعينى كيف سيكون أبًا لك؟ هل يستحق أن يكون قدوة لك؟ هل سيكون حنونًا عليك أم سيقهرك؟ هل سيأخذ بيدك للجنة أم إلى النار؟  والآن يا نوران أجدنى فى اشد الندم ﻷنى طوال هذا الوقت كنت اهتم بالأب ولا اهتم بالأم…لم أسأل نفسى كثيرًا وهل أنا أصلح لك؟

أتعلمين يا نوران أن كثيرًا من الناس ينخدعون في..يعتقدون أنى امتلك حكمة تمكننى من أن أربى أى طفل فى العالم كما يقول الكتاب…والحق يا نوران أنى أمتلك الكثير من التجارب التى حفرتها خبرة السنين..وكثيرًا ما كنت اعتقد أنى سأفيدك بحكاياتى هذه..سأقص عليك قصصى وقصص أصدقائى..سأقص عليك حكايات التاريخ والسياسة..سأخبرك عن ثورتنا وعما تعملته منها..سأحكى لك عن كندا وما رأيته فيها…عشرات الآف من القصص والأخبار ..اعتقد ويعتقدون أن هذا يكفى ﻷكون أمًا  رائعة لك..ولكن يا حبيبتى الأم ليست مذياعًا يسلى الأولاد…القصص من الممكن أن يروبها أى إنسان

ما الذى يفيدك أن أحكى لك عن الإدخار وعدم التبذير وأنا أبذر نقودى؟

ما الذى يفيدك أن أحكى لك عن العدل والحق وأنا لا أقيمهما؟

ما الذى يفيدك أن أحكى لك عن أهمية الوقت وعدم تضييعه وأنا أضيعه؟

ما الذى يفيدك أن أخبرك عن فضل القرآن وحفظه وأنا لا أحفظه مع قدرتى على ذلك؟

وما الذى؟ وما الذى؟ وما الذى؟

الأب والأم الرائعان يا نوران هما من يصدق فعلهما قولهما..ومن سخرية القدر أنى رفضت من قبل شخصًا كان يمكنه أن يكون أبًا لك لنفس السبب..سألته ما الذى تريده من أولادك؟ قال كذا وكذا وكذا ..ورغم عدم اقتناعى بكذا هذا ولكنى سألته ولماذا لا تطبقه عل نفسك؟ تحجج بالظروف ولم يقل حتى أنه يحاول أن يصل لهذا يومًا..قلت هذا شخص لا يصلح أن يكون أبًا لك ..يريد أن يطلب منك المحال وهو لا يجتهد فيه

والآن أجدنى كهذا الشخص..أقول وأقول وأقول ولا أفعل شيئًا مما أقوله ولا حتى أسعى ..كله كلام يا نوران…ما فائدة أمُ تجيد التنظير والكلام المنمق؟ أمُ يراها  أبناؤها منافقة تنهى عن خلق وتأتى مثله..فيتمنون أن تكون لهم أمًا ليست لها نفس المعايير ولكنها على الأقل تقول ما تفعل وتفعل ما تقول…لا توجد عندى مشكلة أن تأتى لى وتقولى يا ماما أحنا من جيل وأنتى من جيل…ما تفعلينه هذا لا يصلح لجيلنا ..مشكلتى الحقيقة يا نوران أن تقولى أنى منافقة..مشكلتى الحقيقة أن تقولى لى ولماذا لا تطبقين أنتى ما تقولينه لى؟ لماذا لا تفعلين هذا أنت أيضًا؟

لن استطيع وقتها الكذب لك..أوعدك ألا أكابر…ولكنى لا أعرف بم أجيبك…هل سيرضيك أن أقول لك أنى ضعيفة جدًا وأنى لا أريدك أن تكونى مثلى؟ وهل استطيع وأنا بهذا الضعف أن أصبر على تربيتك من أصله؟

ًحبيبتى نوران إذا قدر الله وقرأت هذه الرسالة يومًا فاعلمى أن هناك احتمال واحد وهو أن الله قد من على أمك بالانتصار على نفسها وأنها قد قطعت شوطًا طويلًا فى طريق إصلاح نفسها حتى شعرت أنها جديرة بأن تكون امًا لك..اما لو لم يحدث هذا فأنا أفضل أن احتفظ بك كصورة جميلة فى خيالى  على أن يتقطع  قلبى عليك وأنا أراك كل يوم أمام عينى كائنًا مشوهًا أعلم علم اليقين أنى أول من يساهم فى تشويهه

دينا سعيد

24-11-2012

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

5 responses »

  1. غير معروف كتب:

    الكمال لله وحده … فلا تقسى على نفسك!!!

    إلـهـــــيّ ..
    دبـر آمـوٌري يـا مُـدبّـر گمآ تـحبـهـآ أنتَ فـإنـى لـا أحسـن التدبيـر
    وإخـتـرلـى لـى يـاكـريـم فـإنـى لا أحـسـن الإخـتـيـار

  2. غير معروف كتب:

    كلامك جميل و مؤثر اوي بس بتقسي اوي على نفسك ياما امهات مفيش فيهم لا مزايا او تعليم او اخلاق و طلعوا ناس علماء و افاضل اعملي اللي تقدري عليه و الباقي سبيه على ربنا هو احن منا بعباده

  3. غير معروف كتب:

    السلام عليكم
    ملاحظة صغيرة:
    “من سخرية القدر”
    لا تجوز أبداً
    وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة

    رزقك الله بنوران واخوة لها صالحين مثلك

  4. غير معروف كتب:

    يمكن يادينا تكونى صح فى كل كلمه قولتيها
    يمكن بافكر فى كل الكلام دة وانتى ترجمتيه لكلام
    بس الى اقدر اضمنهولك انها هى الى حتديكى القوة علشان تبقى ام افضل عمرك ماحتوصلى للكمال اكيييد حانغلط بس وانتى بتربيها حتربى نفسك صدقينى ادعى بثقه ويقين فى الاجابه

  5. غير معروف كتب:

    ربنا يكرمك يا دينا و يرزقك الزوج الصالح .. لن تجدى شخص مثالى أقولها لكى كما أننا لسنا مثالييين و لكن بالتوافق 🙂 على أنكما تريدان لأبنائكما أن يكونوا أفضل منكما هكذا تسير الحياة بالبذل و التضحية من الطرفين و كلما تركتما شيئا لله عوضكما خيرا منه
    نوران تهديكى هذه الأغنية 🙂

    و عندك حق كلنا علينا أن نحاول أن نكف عن الكلام و نتجه للفعل و العمل عندها سنتغير و بلادنا للأفضل باذن الله .. ربنا يكرمك و تخلصى الدكتوراه بسرعة و تعودى لأمك و أبيك و لأخواتك أشعر أنك ستتخلصى عندها من هذه المشاعر السلبية .. ربنا يكرمك يا دينا و ستكونيين أم جميلة باذن الله 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s