معظم من أعرفهم من الكنديين لا يهتمون بالسياسة إلا وقت الانتخابات، وقتها قد يتناقشون قليلًا هنا وهناك، قد يدعمون مرشحهم المفضل بتعليق صورته على منزلهم، وبعد الانتخابات انتهى الأمر، لا يشغلون أنفسهم بما يفعله الفائز كثيرًا، .والغريب ان هناك ناس يرفضون تمامًا إعلان مواقفهم السياسية بل أنه يعتبر من العيب أن تسأل شخص من سترشح فى الانتخابات، إذا لم يتبرع هو باخبارك.

أفهم أن الوضع فى مصر مختلف ﻷننا فى مرحلة بناء الدولة ولكن من الصعب تصور أننا منذ سنتين، كل أسبوع وأحيانًا كل يوم يحدث حدث ما يقسم الرأى العام ضده ونظل نفكر ونتناقش ونتجادل ونقرا آلاف المقالات والمنشورات والنكت

(ونتابع برامج التوك شو بكل ما فيها من صراخ …الكل يطلب منك أن تعلن موقف مع كل (سواء مع أو ضد

قليل مننا يتابع فى صمت

بعضنا يجاهد الكترونيًا ويكتب أو يعلق بما يراه صحيحًا

بعضنا ينزل مظاهرات سواء مع أو ضد

, وبعضنا ينزل ولا يرجع أو يرجع بدون عينين

بصرف النظر عن اختلاف موقفنا

ما يحدث فى الواقع السياسى المصرى من تغيرات مستمرة

مرهق جدًا ليس فقط لاستقرار ميزانية الدولة

ولكن لاستقرارنا النفسى والاجتماعى وهذا من خلال شقين رئيسيين:

الشق الأول: الاجتماعى

الانقسامات المختلفة فى الرأى تؤدى لتناحر مستمر وصل فى بعض الأمور لحد القطيعة بين الأهل بل والطلاق، هناك كثيرون عملوا أو تم عمل بلوك لهم على الفيس بوك من أقرب أقرابهم. ولكن من قال أن اختلافى السياسى مع هذا أو ذاك لا يجعل منه زميلًا أو صديقًا أو قريبًا؟ المشكلة الأساسية فى المغالاة فى الخصومة واعتبار أن الآخر بموقفه السياسى يحرق البلد مثلا… البعض يلجأ لأسلوب الشتائم وهم لا يدرون أنهم يشتمون أصدقائهم وأهلهم..مثلُا لو أنت قلت على صفحتك أو نشرت منشور فيه كلام من نوعية “الخرفان الذين انتخبوا مرسى” وأنت تعلم أن فلان وعلان من أصحابك انتخبوا مرسى فما الذى يعنينه هذا إلا أنك تشتمهم بشكل مباشر؟

هل تستطيع أن تقولها لهم فى وجههم؟ لا لن يخطر هذا ببالك، ربما إذا تقابلتم اختلفت معهم فى الرأى أو تناقشتم ولكنك فى الغالب لن تقول لصديقك أو أخوك كلام فيه شتائم مباشرة كما تحويها المنشورات التى تنشرها..، ولكنك تقولها فى منشور وأنت غير مدرك للأثر النفسى الذى تفعله فى صديقك الذى سيأخذ الأمور وكأنك تتكلم عنه..وحتى لو تغاضى عن الأمر بالتدريج سيزداد الشقاق بينكم وتختفى المودة وستصلون لقناعات معينة عن بعضكما البعض لن تجعلكما أصدقاء بعد اليوم

هناك البعض الذى خرج من هذه المعضلة بتجنب أى كلام سياسى مع من هم مختلفين معه فى الرأى والحرص على المودة..ولكن هذا أيضًا ليس مطلوب…فمن الجيد الكلام والنقاش ومشاركة الآراء ورؤية الأمور من زاوية الطرف الآخر ولكن لابد من التوازن ألا يكون الكلام السياسى وحده هو محور حياتنا وكذلك أن نتوقف عن الجدال إذا اقتنع كل طرف أنه لن يغير من قناعات الآخر.

الشق الثانى: النفسى

السياسة تجعلنا نفقد سلامنا النفسى…شعورنا باستمرار أن البلد على حافة الهاوية ..نحن باستمرار فى انتظار كارثة…ننام ونصحو على الأخبار

ونقول استر يا رب

أحيانًا لو لم تقرأ أخبار مصر لنصف يوم فقط، لا تفهم أى شىء ..ولكنك لابد أن تفهم..لابد أن تقرأ كل وجهات النظر..حتى تقرر إلى جانب من تقف…..وفى ظل ما نعانى منه من إشاعات وأقلام وأبواق مأجورة من كل الاتجاهات: يكون الأمر شبه مستحيل

من يمتلك وقتًا ليتابع كل هذا؟ ومن يستطيع مخه – أيا كانت قدراته العقلية- أن يلاحق على كل ما يحدث؟

الأمر مستنزف للطاقة .بشكل يؤدى للاكتئاب وانفلات الأعصاب مما يؤثر على الشق الاجتماعى السالف ذكره وعلى بالطبع انتاجية الفرد والدولة ككل.

والسؤال الذى يجب أن يساله كل فرد هو متى سنتفرغ لبناء الدولة..متى سنجتمع حول أى هدف مشترك كالقضاء على الأمية أو الفقر أو رعاية الأيتام أو إعادة تأهيل أطفال الشوارع..كل هذه أهداف مشتركة لا يوجد عاقل من أى تيار فكرى أو دينى سيكون ضدها

أحيانًا اعتقد أن كثير مما يحدث على الساحة السياسية فى مصر هو ترف فكرى فى ظل دولة بها 40% أمية و50% تحت خط الفقر ومئات الآلآف من اللقطاء واطفال الشوارع ولا يوجد فى بعض قراها كهرباء ولا مياه ولا صرف صحى

ألا يمكن أن نتوقف قليلًا عن الصراع الاستقطابى ونأخذ هدنة ولو لشهر واحد…فى كل الحروب توجد هدنة ونحن لم نرتاح مثل 25 يناير 2011 ..من الثورة إلى استفتاء مارس إلى وثيقة السلمى إلى انتخابات مجلس الشعب إلى أحداث محمد محمود الأولى إلى مذبحة بورسعيد إلى الانتخابات الرئاسية إلىأحداث محمد محمود الثانية إلى الدستور وفى وسط كل هذا إعلانات دستورية تصدر من المجلس العسكرى أو الرئيس. وقرارات وقوانين يتم إقرارها والرجوع فيها أو تجميدها مثل فرض ضرائب جديدة ومحاولات تخريب وحرائق ومظاهرات وقطع طريق…

نحن نخسر جميعًا يا سادة…نخسر اقتصاديًا…نخسر اجتماعيًا…نخسر نفسيًا…نخسر روحيًا،.. وإذا كان مطلب الهدنة صعبًا من الأطراف السياسية فلنقوم بها نحن مع أنفسنا بعيدًا عن هذا العالم الذى لا نفهم الكثير مما يحدث فيه من صراعات

هدنة لقراءة كتاب او مشاهدة فيلم كوميدى أو الخروج للتنزه أو الرياضة أو القيام بأى عمل خيرى .يوحد الناس

لابد أن نتوقف ولو قليلًا عن هذا الجنون

ونعيد شحن البطارية النفسية ثم نرجع للصراخ مرة آخرى

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

2 responses »

  1. Yasmine قال:

    الطاقة النفسية التي تستنزف يوميا أصبحت لا تطاق يا دكتور دينا
    كلما أستيقظت يوما بروح من التفاؤل لأبدأ في مشروع جديد أو مبادرة جديدة أجد ظروفا تحيط بي تقتل أحلامي وعلى الرغم إنني متمسكة بهم للغاية إلا إني كدارسة وممارسة للتسويق أعلم جيدا أن السوق غير مهيأ والبيئة التسويقية بأحداثها السياسية غير مهيئة لهذا النوع من المشروعات
    أعمل جاهدة على تزويدي بالعلم في هذه الفترة و سد أذني عن كل ما يتعلق بالسياسة لدرجة جعلتني سطحية للغاية في تعاملي معها بعد أن كنت متعمقة للغاية منذ أيام الثورة
    من الأخر زهقت
    زهقت أكتر من تعطيل أحلامي و لا أدرك متى و أين سأحددهم وللأسف لا أجد لهم فائدة إلا لبلدي التي أصبحت ظروفها تمنع الشخص من أن يعطي نفسه برهة ليحلم

  2. ســــونيا قال:

    ثقافة الهزيمة .. البحث عن الشمس

    شركة سيارات صينية Geely و نظرا لفشلها فى أنتاج سيارة على مستوى عالى من الجودة تستطيع بها المنافسة فى الأسواق العالمية ، أشترت فى عام 2010 شركة فولفو السويدية لصناعة السيارات لتنقذها من الأفلاس ، وقاموا بنقل تكنولوجيا متقدمة إلى الصين. و يبلغ مرتب العامل بشركة السيارات الصينية 400 إيرو شهريا ، بينما فى السويد يتقاضى العامل 8 أضعاف هذا المرتب ، و تقوم الشركة الصينية الأن ببناء 3 مصانع لتصنيع سيارة فولفو فى الصين. و هذا مثال جيد لما ينبغى أن تفعله مصر لنقل التكنولوجيا المتقدمة سيما أن أجور العمالة منخفضة فى مصر ، و يمكن أن نعمل هذا مع شركات عالمية ألمانية لصناعة مستلزمات الطاقة الشمسية …

    و للأسف مصر تغوص بالنفايات و القمامة ، بينما منذ أكثر من 50 عاما فى الخارج أوروبا و أمريكا يتم أعادة تدوير النفايات والذى لا يصلح يتم حرقه فى مصانع خاصة لأنتاج الطاقة ، و يعتمد عليها فى أنتاج جزء ليس هين من أحتياجات الطاقة. ليس لدينا هذه المصانع و هى رخيصة و لا حتى أحد يتكلم أو يكتب عن هذا الموضوع . هل نحتاج إلى 50 عام أخرى حتى تصل و تطبق هذه الفكرة فى مصر؟!!!

    باقى المقال بالرابط التالى

    http://www.ouregypt.us/culture/main.html

    ليتنا نستطيع فقط تنظيف مصر من الزبالة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s