أتذكر وأنا صغيرة كنت كثيرًا  ما أسمع عبارة “أحنا بنمحى أمية القراءة والكتابة فى مصر واليابان محت أمية الكمبيوتر”..وبعد 20 سنة ما زلنا نمحو أمية القراءة والكتابة وما زالت الدول المتقدمة تمحو أميات من نوع آخر…فى كندا على سبيل المثال بدأ مشروع من سنة 1998 لمحو الأمية المالية..نعم يسمونها

Financial Literacy

http://www.theccfl.ca/home.aspx

الفكرة كما شرحت  مديرة أحدى هذه البرامج فى محاضرة عامة تتلخص فى الآتى:

أن أصحاب الدخول المنخفضة فى كندا تقوم الحكومة بعدم أخذ ضرائب منهم كما ترد لهم ضريبة المبيعات  كما أن لديهم العديد من التسهيلات  كتخفضيات على دخول المتاحف والمكتبات العامة ومعظم الأماكن الثقافية، ولكنهم وجدوا أن هذا غير كاف وأنه يجب أن يساعدوا هولاء الناس إيجابيًا على تحسين أوضاعهم على طريقة علمنى الصيد ولا تعطنى سمكة

فى البداية وجدوا أن هناك 3 معتقدات خاطئة يعتقدها أصحاب الدخول العالية والمتوسطة عن أصحاب الدخول المنخفضة

1- أن معظم أصحاب الدخول المنخفضة كسالى ولا يعملون: وقد اثبتت الدراسات أنه يعمل حوالى حاجة وستين فى المائة منهم (لا أتذكر الرقم تحديدًا)   فى حين أن حوالى حاجة وثلاثين فى المائة منهم لا يعملون بسبب إعاقات أو أسباب معتبرة وأن هناك 7% منهم فقط يعانون من البطالة الحقيقية

2- أن معظم أصحاب الدخول المنخفضة يسرفون كثيرًا ولذلك لا يستطيعون الإدخار : وعرضت المتحدثة بعض الإحصائيات التى تقارن بين أوجه إنفاق أصحاب الدخول العالية والمتوسطة والمنخفضة ..وتجد فيها أن أصحاب الدخول المنخفضة يصرفون أقل بكثير فى الأكل والملبس ولكنهم لا يصرفون تقريبًا أى شىء على التعليم والإدخار للمستقبل (ﻷن المدارس الحكومية فى كندا مجانًا والتعليم الجامعى غال جدًا فمعظم أولاد الفقراء لا يكملون تعليمهم الجامعى أو يحصلون على قروض ميسرة من أجل التعليم يسددونها بعد تخرجهم وعملهم  وبذلك لا يصرف آبائهم على تعليمهم شيئًا، فى حين أن معظم أولاد أصحاب الدخول العليا يتعلم أولادهم فى مدارس خاصة ويدفع آبائهم مصاريف تعليمهم الجامعى)

الخلاصة أن أصحاب الدخول المنخفضة لا يعانون بسبب إسرافهم بل على العكس هم لا يجدون ما يصرفونه على تعليم أولادهم ولا يجدون ما يدخرونه للمستقبل

3- أن أصحاب الدخول المنخفضة لا يفكرون فى المستقبل ولا يعملون حساب الزمن كما نقول: وأثبتت الدراسات أيضًا أن معظمهم يفكر فى المستقبل ويريد الإدخار من أجل شراء منزل أو لتعليم أولاده أو من أجل حياة ما بعد المعاش ولكن المشكلة أن دخولهم لا تكفى لهذا

ومن هنا جاءت فكرة فصول محو الأمية المالية وهى أن تنظم المؤسسات المختلفة فصول لتعليم أصحاب الدخول المنخفضة أساسيات الاقتصاد من خلال محاضرات عن: علاقة الإنسان بالنقود – الإدخار – الاستثمار  فى البورصة – البنوك – الكروت الائتمانية – الميزانية – النزعة الاستهلاكية وخلافه

هذه المحاضرات مجانية وتهدف إلى تسليح هذه الطبقة بالأدوات التى تساعدهم ليكونوا أفضل فبدلًا من أن يلجأوا لطلب قروض..يعلمونهم كيف يرتبون ميزانيتهم الشهرية وكيف يدخرون من دخلهم القليل وكيف يستثمرون ما أدخرونه بذكاء فى البورصة ..وبهذا قد تمكنهم هذه الأدوات من تغيير حياتهم بشكل أو بآخر

وهناك برامج خاصة تقوم بتشجيع من يحضرون هذه الفصول وينجحون فى تطبيق المفاهيم التى درسوها ويدخرون بالفعل..فمثلُا إذا أدخروا 50 دولار فى الشهر لمدة سنة فهذه 600 دولار..تعطيهم المؤسسة ثلاث أضعافها فى حسابهم التوفيرى وهناك مؤسسات تعطيهم أربع أضعاف المبلغ الذين نجحوا فى أدخاره …ولكن هناك شرط واحد لكى يقبلوا التحاق الفرد بالبرنامج وهو أن يكون دخله منخفض  جدًا فمثلُا لو كان فرد واحد يعيش فى الأسرة فلابد أن يكون دخله أقل من $22,637 أى أقل من 1880 دولار فى الشهر (مما يُمكن معظم طلبة الدراسات العليا فى جامعتى الذين يعتمدون على مرتب الجامعة فقط من الالتحاق بهذا البرنامج)

http://www.momentum.org/programs/money

وفى النهاية طالبت المتحدثة الحاضرين ومعظمهم من رجال الأعمال  (لا أنا رحت صدفة) بأن يتبرعوا لهذا المشروع من أجل توعية أصحاب الدخول المنخفضة  اقتصادياً وجعل حياتهم أفضل

وهنا كانت الدمعة هتفر من عينى لأسباب اعتقد أنكم تعرفونها جيدًا

😦

عدة ملاحظات:

1- لا نروى هذه الحكايات من باب المنظرة ولا التعقيد ولكن لنرى ما الذى وصل إليه العالم الذى حل مشاكل البطالة والقمامة والأمية الحقيقية وأصبحت أولياته مختلفة عننا تمامًا

2- هل لاحظتم طيلة المحاضرة أن المتحدثة كانت تستخدم لفظ “أصحاب الدخول المنخفضة” وليس “الفقراء” ؟

هذا من باب الذوقيات التى تحرص الثقافة الكندية عليها حتى لا يتم حرج شعور هذه الفئة

3- دعونا نتساءل هل نحتاج فى مصر لشىء مشابه…بمعنى هل أحدى مشاكلنا أن لدينا أمية اقتصادية

لا اتكلم عن سكان العشوائيات والذين هم تحت خط الفقر فهولاء يحتاجون لمعرفة شكل النقود أصلا

بل أتكلم عن الطبقة المتوسطة  التى تشتكى ليل نهار أن دخلها لا يكفى المصاريف…هل هذه الفئة تعرف شيئًا عن عمل ميزانية للأسرة

وعن ترتيب أوليات الإنفاق وعن كيفية الإدخار والاستثمار ..ولا ممشينها بالبركة

4- سمعت من قبل دكتور كندى فى كلية إدارة أعمال يقول أنه يريد أن تجبر الجامعة أى طالب فيها على أخذ كورس واحد على الأقل فى المحاسبة والأمور المالية

ﻷنه لا يجب أن تخرج الجامعة مهندسًا أو مدرسًا أو طبيبًا وهو لا يعلم كيف يدير نقوده بفعالية

فهل يمكننا أن نفكر بالمثل فى مصر؟

ندرس كورس مماثل لكل طلبة الكليات المختلفة ليعلموا مبادىء التعامل مع الاموال

5- هل خريجو كلية تجارة فى مصر الذين درسوا هذه الأشياء بتعمق خلال 4 سنوات يعلمون شيئًا عنها ويطبقونه فى حياتهم العملية؟

أم أن لدينا الفجوة المعتادة بين الدراسة والتطبيق  وبين ربط المعلومات الدراسية بالحياة؟

6- هل من الممكن أن تبدأ المؤسسات الخيرية فى مصر فى مشاريع مماثلة بدلًا من أن تصب جل خدماتها على توفير الغذاء والدواء لأصحاب الدخول المنخفضة؟

نفكر بطريقة ابتكارية ملائمة لمجتمعنا كيف نساعدهم على الخروج من الدائرة المغلقة…كيف نوعيهم؟

لا يكفى أن تعلم فلانة الخياطة وتحضر لها ميكانية خياطة أو أن تقيم كشك لعلان بدون أن تعلمه كيف يدير مشروعه الصغير

وكيف يتعامل مع النقود بطريقة فعالة ..حتى تصل به لبر الأمان الذى لا يحتاج فيه مساعدة بعد ذلك؟

هل نستطيع ؟

دينا سعيد

21-11-2012

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

One response »

  1. Ismail radwan كتب:

    هل هناك امكانية ان تشاركينا ببعض التكتيكات المتبعة في مثل هذه ال كورسات يا د.دينا؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s