تعلقت عيناى بسوار ارتديه يحمل علم فلسطين وتدفق الدمع من عينى أنهارًا وأنا أنظر لهذه الرواية ذات الخمسائة صفحة والتى انتهيت توا من قرائتها: “زمن الخيول البيضاء”…

رواية تاريخية معتمدة على مذكرات وشهادات وكتب لأشخاص حقيقيين مثلى ومثلك

أشخاص من لحم ودم عاشوا فى فلسطين وعاصروا الاحتلال التركى ثم الانجليزى ثم الصهيونى

مر بخيالى المشهد النهائى المتمثل فى خروج أهل “الهادية” من ديارهم وانتظارهم فى الوحل والمطر بالأسابيع على قارعة الطريق الشاحنات التى ترحلهم  إلى “غزة”

رأيتهم والحافلات تعبر بجوار قريتهم والنار تشتعل لتلتهم كل ما فيها من ديار بما فيهم دار الحاج محمود الذى دارت أغلب الرواية حول أفراد أسرته

وكأنى بهذا المشهد أرى مشهد ترحيل العرب من الأندلس فى رواية “ثلاثية غرناطة” و”مرمية” محمولة على ظهر حفيدها “على” وتتساءل “لماذا”؟

لم أكن أتصور أن تكون هذه نهاية سكان “الهادية”…لكم أعجبت بهم على مدى فصول الرواية:  تقديرهم للخيل واعتزازهم بها…صلابتهم فى مواجهة برتسون الضابط الانجليزى الذى كان ينكل بهم ﻷن قائد الثوار “الحاج خالد” منهم..لم ينكسروا ..لم يعترفوا على مكانه رغم الحرق والقتل والذل..تحملوا أن يذهبوا كل يوم مشيًا مرتين لمركز القرية البعيد حتى يعطوا التمام الذى يريده برتسون..كان يقتلهم بقسوته ويقتلونه بصلابتهم..وعندما وشى خسيس منهم بأمر الحاج خالد للإنجليز..قتله ابنه عندما اكتشف الأمر وحرق كل نقود الرشوة التى حصل عليها والده من الإنجليز

انخلع قلبى عندما جاء قسيس جديد للدير الذى فى القرية وقال أن أرض “الهادية” ملك للديرواستغل أن الدير لديه كل الحجج القانونية التى توثق ملكية أهل “الهادية” لها وذلك ﻷن أهل القرية كانوا يدفعون للدير الضرائب التى يدفعها بدوره عن القرية للأتراك ومن ورائهم الإنجليز…اعتقدوا أن “الدير” أقدر منهم فى التفاوض مع الأتراك والإنجليز وتخفيض الضرائب..وظلوا لعقود طويلة تاركين حجج أرضهم مع الدير…والآن يقول القسيس عليهم أنهم عمال أجرة وفلاحين وليس لهم أى حق فى الأرض بل ويحضر تاجر يهودى ليبع له أرضهم عيانًا بيانًا.

ولكن “أهل الهادية” لم يستسلموا..ذهبوا لأحد زعماء الوطنية المزيفيين الذى وعدهم بتوكيل محامى فإذا به يوكل ابنه المبتدىء ليخسروا القضية..ولم يستلموا بعدها ذهبوا لمحامى فذ والذى طلب منهم أتعابًا خمسين جنيهًا مقابل كل كلمة ينطقها فى المحكمة..فوافقوا وإن كانوا لا يملكون المال..وبعد أن ربح المحامى القضية بمساعدة قس سابق أحضر لهم حجج الأرض أخبرهم المحامى أنه لا يريد أتعابًا بل كان يختبر حبهم ﻷرضهم واستعدادهم للتضحية بأى شىء من أجلها

لقد ظننت فى البداية أن “الخيل البيضاء” هى بطلة القصة ثم ظننت أن “الحاج خالد” هو بطلها ولكنى اكتشف أن البطل هو أهل الهادية الذين خرج منهم الحاج محمود والحاج خالد والعزيزة التى قتلت زوجها ﻷنه وشى بأخويها للإنجليز وكريم الذى قتل أباه الخائن وأبناء العزيزة الذين تم شنقهمها الإنجليز وعلقهما على باب المدينة وسمية التى تحملت غياب زوجها الحاج خالد  وفاطمة التى كانت تكلم الحيوانات والخيل  وزوجها نوح أخو خضرة وإيليا ماضى وغيرهم الكثيرين..سجل حافل بالأبطال..فكيف انتهى بهم الحال إلى أن تُسلب أرضهم وتُحرق ديارهم ويُرحَلوا منها هكذا؟

ما الخطأ الذى ارتكبوه حقًا؟

هل هى طيبتهم الشديدة وسذاجتهم التى جعلتهم يثقون فى الدير ثم فى جيش الإنقاذ الذى سملهم وهو نيام لليهود ليذبحونهم كالنعاج؟ هل كان من الخطأ أن يفرحوا بمقدم الجيوش العربية لتحرير فلسطين ثم يكتشفون أن سلاح المهندسين فى الجيش المصرى يبنى استراحة فى غزة للملك فاروق وأن هذه الجيوش العربية هى فى الواقع جيوش تحمل  فى معظمها أسلحة فاسدة وأنها جيوش تدربت على يد الاحتلال البريطانى فكيف بها تقاتل الانجليز واليهود؟ وما هذه الطيبة والأخلاق النبيلة التى تجعل بعضهم يطلق سراح اليهود الذين يقعون فى قبضتهم فى أثناء مهاجمة قوافل الإنجليز وهم لا يعلمون أن هولاء سيكونون خنجرًا نافذًا فى قلوبهم؟

وأنا صغيرة كنت كثيرًا ما أسمع من جيل الكبار أن  معظم الفلسطينن يغلب عليهم المكر والدهاء مقارنة بطيبة المصريين…والواقع إنى الآن سعيدة بهذه المقولة   ﻷنها تعنى أنهم قد تعلموا شيئًا ولو يسيرًا من الشراك التى وقع فيها آبائهم وأجدادهم وأفقدتهم أرضهم وحياتهم… لقد ذيل “إبراهيم نصر الله” خاتمة الرواية بمقولة لديفيد بن غوريون “لو كنت قائدا عربيا لما وافقت على اي اتفاق مع اسرائيل فهذا امر طبيعي. فنحن اخذنا بلادهم. نعم ان الله وعدنا بهذه الارض ولكن هذا امر لا يهمهم… فإلهنا ليس إلههم… وهذا حصل منذ الفي عام فما الذي يدعوهم لان يعيروه اهتماما؟ وكانت هنالك اللاسامية ومن ثم النازيون وهتلر وآشوتس (المحرقة). فهل كان ذلك ذنبهم؟ انهم يرون شيئا واحدا فقط: اننا جئنا وسرقنا بلادهم.. فلماذا عليهم ان يقبلوا بهذا؟”ا”

وصلت رضوى عاشور لنفس الاستنتاج فى “ثلاثية غرناطة”..الخطأ كان فى المعاهدة الأولى فى إعطاء الأمان للذئب الذى يريد أن يلتهمك التهامًا وتصديقك له أنه سيكون جارًا مسالمًا كل ما يرجوه هو أن تتركه يلعب مع صغاره من الذئاب وسيتركك أنت لتنعم بحياتك..لماذا يوقع قادتنا  هذه المعاهدات؟ لماذا يقولون لنا “ليس فى الإمكان أفضل مما كان”؟ هل هو الضعف ووهن الدنيا أم قصر النظر أم الخيانة؟

لا أحد يعرف تحديدًا ولكن الآن اعتقد أنى سأظل استعيد كلمات “الحاج خالد” أبدًا ما حييت

“إنى لا أقاتل لانتصر بل لكى لا يضيع حقى”

وقوله

“كان والِدي رحمه الله يردد دائماً: لا يمكن لأحد أن ينتصِر إلى الأبد، لم يحدث أبداً أن ظلّت أمّة منتصِرة إلى الأبد. ودائماً كنت أفكّر فيما قاله، لكنني اليوم أحِسّ بأن شيئاً “آخر يمكن أن يُقال أيضاً وهو أنني لست خائفاً من أن ينتصِروا مرة ننهزم مرة أو ننتصر مرة وينهزموا مرة، أنا أخاف شيئاً واحداً؛ أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألا تُهزموا إلى الأبد.”
وأخيرًا:
“الابد أن تعيش في العتمة طويلا حتى يفاجئك النور”
لذا فأنا أنصح هولاء الراقدون فوق الأريكة الوثيرة أمام شاشات التليفزيون ليستمعوا لأبناء صفوت الشريف وهم يتحدثون على القضية الفلسطنية من باب “اللى يعوزوه البيت يحرم على الجامع” والفلسطينون يستحقون ما يجرى لهم” و”ومالنا وغزة وفلسطين” و”مصر دفعت ثمنًا غاليًا من أجلهم”
أنصحكم بأن تغلقوا هذه الشاشات..لا توجد مشكلة أن تظلوا على الأريكة ولكن فضلًا اقراوا كتابًا..لن أقول لكم اقرأوا كتبًا تاريخية لعبد الوهاب المسيرى والصلابى تكتشفون فيها تاريخًا غير تاريخ المدراس ..ولكن أقول اقراوا روايات تاريخية مثل “الطنطورية” و”رأيت رام الله” و”ثلاثية غرناطة” و”زمن الخيول البيضاء”…ربما اكتشفتم بعدها أن ما تعوزه مقاومة المحتل يحرم على البيت والجامع  ..ربما رأيتم وقتها هذه الخريطة فى الأسفل واكتشفتم أن هناك أرضًا فلسطينة ضاعت بعد كل حرب من التى تمنون بها عليهم…ربما عرفتم أنهم إذا كانوا ينظرون إلى مصرعلى أن النصر يأتى منها فإن هذا أصلًا شرف أخشى ألا نكون قد نستحقه…ربما عرفتم وقتها أن الأرض قد تكون أهم من النفس والولد والعرض والمال ﻷنها لو ضاعت فلن يكون هناك شىء بعدها.
أيها الراقدون فوق الأريكة..أفيقوا يرحمكم الله ويرحمنا..تخلصوا من إعلام صفوت الشريف الذى يدس السم فى العسل..فربما استطعتم يومًا أن تربوا لنا بطلًا من أبطال المقاومة…بطلًا يقول “أنا لا أقاتل لانتصر بل لكى لا يضيع حقى”..فلو ظللنا نقاتل لما ضاعت الأندلس وفلسطين والعراق….والله أعلم ما الذى يضيع بعدهم…فعلًا لاشد ما أخافه علينا أن ننكسر للأبد
دينا سعيد
18-11-2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

3 responses »

  1. Mohammad Saeed قال:

    يااااااااااااااااه .. جميلة اوي
    انا بيكون عندي الاحاسيس دي واكتر .. بس عمري ما كنت هاخرجها بالشكل ده .. فعلا جميل جدا
    “إنى لا أقاتل لانتصر بل لكى لا يضيع حقى” الثبات ده هو اللي بيقتل اسرائيل .. قلة قائمة علي الحق الا يوم الدين
    وبالنسبة لمصر .. فإن شاء الله يأتي منها النصر فهي ارض المنعة والمؤنة كذلك الشام فك الله كربه .
    فمصر التي قال عنها ابن خلدون : من لم ير مصر لم يعرف عز الإسلام”.. انا لن افقد الامل في مصر ابدا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s