عندما بدأت إسرائيل عدوانها الغاشم على غزة..تساءلت عن الداعى لكل هذا؟ قيل لى أن موسم الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب وأنه لابد من تقديم انتصار سريع للناخب الإسرائيلي فى شكل جثة لقائد بارز لحماس مع بعض الضحايا…نعيت الحال التى أوصلتنا أن تُقدم جثث أهلنا قرابين على محراب الانتخابات.

ولم يستمر الحال طويلًا حتى وجدت فى مصر من يرقص على جثث شهداء غزة ..إنها فرصة للصراع بين مرشحى الرئاسة السابقيين والتيارات السياسية المختلفة …فرصة لنرى أن “أبو الفتوح” إنسان وقلبه كبير و”حمدين” بارد ولم يتحرك إلا بعد تحرك “أبو الفتوح” أما “البرادعى” فما زال يغرد من تويتر ويطالب بحل متوازن للقضية…فرصة لنقول للأخوان صدعوتنا بحديث الجهاد..الآن غزة تُضرب فأين جهادك بعد أن وصلتم للسلطة؟…فرصة ليتاجر أنصار كل حزب ومرشح ببعض الدماء ويتنتشر النكات على هذا وذاك
ثم تحرك الرئيس المصرى وقام بشىء (اعتبرته تفكير خارج الصندوق) عندما أوفد رئيس الوزراء “هشام قنديل” إلى غزة ليثبت أن هناك اختيار ثالث غير العنف المتسرع أو الصمت المقيت الذى احترفه المخلوع حتى أصبح كنز إسرائيل الاستراتيجى.
الخطوة كانت دعمًا غير مسبوقًا من القيادة المصرية لغزة ..استقبله الغزايون بالترحاب..وفى اليوم التالى وقف أردوغان فى مصر ليقول بعربية متكسرة “ارفع راسك فوق أنت مصرى” وأعلنت القيادة السياسية المصرية عن توقيع العديد من الاتفاقات بين الجانب المصرى والتركى.
ولكن هذه الأخبار السعيدة توارت خلف جثث 68 طفل ارتطم أتوبيس مدرستهم بقطار فى أحدى قرى أسيوط بصعيد مصر..لم يُعلن بعد عن أسباب الحادث ولكن يبدو أن المسئول المباشر هو عامل السكك الحديد المسئول عن غلق الطريق أثناء عبور القطار..نعم فالسكك الحديدية فى مصر ما زالت بدائية وما زالت تعتمد على العنصر البشرى الذى يمكن الاستعاضة عنه بتركيب جسر أو شق نفق أو تركيب نظام الكترونى أو حتى فى أضعف الإيمان يتم تعيين عاملين لمراقبة الطريق بدلًا من عامل واحد.

هذه المأساة كانت فرصة للبعض للرقص مرة آخرى على الجثث والمتاجرة بالدماء…أنها فرصة لإثبات فشل الحكومة المصرية..لا يكفى أن يقوم الرئيس بتنحية وزير النقل ورئيس السكك الحديدية وتحويلهم للنيابة…لا يكفى أن يزور رئيس الوزراء المصابين…كل هذا لا يكفى..أكاد آراهم وهم يلمسون الأرض بجباهم شكرًا على حدوث هذه الكارثة التى ستظغى على أية نتائج إيجابية لزيارة رئيس الوزراء لغزة…بل أنهم يقولون لماذا نهتم بغزة وعندنا فى مصر ما يكفيها من المآسى وهكذا انقلبت زيارة غزة من نجاح إلى نقمة ولعنة.
وقف أحد المذيعيين المصريين “عمرو أديب” فى برنامجه معلقًا على المأساة ليقول للرئيس مرسى “أنت فاشل وقنديل فاشل ومصر كبيرة عليك”..سألت آخرى والد 4 أطفال لقوا مصرعهم فى الحادث “هل لم يزر رئيس الوزراء القرية أم رفضتم استقباله؟” …”هل أولادك فى معهد أزهرى تابع للاخوان أم السلفيين؟”..ثم يصرح “عصام العريان” القيادى الأخوانى مطالبًا برجوع البرلمان لنستطيع محاسبة الوزراء..ويطالب البرادعى بجمعية تأسيسة جديدة للدستور…ويخرج هذا بيان وذاك تصريح .. يالها من فرصة أتت للجميع على طبق من فضة.
لا ينكر أحد أنه لابد من محاربة الفساد الذى استشرى فى مصر كالسرطان ولابد من إعادة هيكلة النظام الإدراى للدولة ولابد من سن القوانين الجديدة التى تحارب هذا الفساد ﻷن القانون فى مصر صار فى عهد المخلوع مقننًا للفساد وراعيًا له…نعم أنا مع كل هذه المطالب قلبًا وقالبًا..ولكن رئيس الوزراء قدم منذ أربعة أيام فقط خطته نلتطوير الحكومة ووضعها على الانترنت..ومن ضمن هذه الخطة وضع بندًا لتطوير السكك الحديدية
 إذا أردت أن انتقده فلابد أن أكن موضوعية وانتقد خطته هذه..أطالب بالحذف أو الإضافة او تغيير الأوليات..أراقب تنفيذ الخطة فى وقت زمنى معقول وأحاسبه عليها..ولكن هل من المعقول أن انتهز الفرصة لأقول له أنت فاشل وهو لم يمر على توليه الوزارة أكثر من 3 شهور وقدم خطته منذ أربعة أيام فقط؟!
إنى أتساءل هل من يطالب بمحاربة الفساد وبأكثر من ذلك، يفعل هذا لكى لا تتكرر المأساة مرة آخرى أم أنه -ربما بدون وعى- يعلم أنها مطالب تعجيزية للنظام وإذا لم يفعلها الآن فهو فاشل ومصر كبيرة عليه.
وهل من يطالب برجوع البرلمان وإعادة تشكيل التأسيسية يفعل هذا ﻷنه يدرك أنه لا أمل فى إصلاح البلاد إلا بتحقيق هذا ..أم أنه هو أيضًا بستغل المأساة ليحقق مكاسب سياسية.
والسؤال الأهم هو لماذا احترفنا تجارة الدماء هكذا؟ وبدلًا من أن نتوقف لنحزن ..لنبكى ..لنربت على أكتاف الآباء والأمهات أو على الأقل ندعو لهم..ضيعت السياسية انسانتينا..وصرنا نقيس كل شىء برد فعل فلان وتصريح علان…صار كل حدث فرصة للاستقطاب السياسى ورفع شأن هذا أو جعله فى أسفل سافلين..ربما لسنا بعد كالاسرائيلين الذى يقدمون الجثث قرابين على محراب الانتخابات ولكن مرحبًا بالجثث التى يهدينا بها القدر لنقدمها نحن أيضًا قرابين
عذرًا فى الجملة المستعارة من تويتر:
“هو أحنا بقينا حيوانات كده إزاى؟”

 

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s