أتعلم يا صديقى ما هو الاكتئاب؟ أنها تلك الكآبة والحزن التى تظل جاثمة فوق صدرك…يبدو كوحش كاسر يهجم على نفسك…تحاول تقاومه مرة واثنين وثلاثة ..تستعمل معه كل الحيل التى قرأت أو سمعت عنها…ولكنه فى كل مرة يهزمك ويطرحك أرضًا…
أتدرك يا صديقى معنى أن تستيقظ كل صباح وأنت لا تستطيع النهوض من فراشك وتحاول أن تدفع نفسك دفعًا فقط لتقوم…حتى أبسط الأشياء تصبح

 صعبة على نفسك (ترتيب فراشك، غسيل أسنانك، صلاتك…)..كل شىء تفعله بشق الأنفس وبعد حرب طاحنة مع هذا الوحش…تنجح مرة وتفشل مرات…أحيانًا يكون مجرد الرد على تليفون لصديق شىء تفعله بعد جهد..أما الخروج لتهنئة فلان أو تعزية علان فهو درب من الخيال.

هناك من الناس من ياكل كثيرًا عند الاكتئاب وهناك من يفقد شهيته…هناك من ينام طوال اليوم وهناك من لا يستطيع النوم…لا يوجد سبب محدد لماذا يفعل هذا المريض هذا الشىء بينما يفعل مريض آخر شىء آخر…ولكن الجميع يتشارك فى الحزن والضيق لفترات طويلة وعدم القدرة على أداء أبسط الأعمال التى تعودوا عليها وخلل شديد فى علاقاتهم الاجتماعية.
لا تظن أن مريض الاكتئاب يستسلم بسهولة…المعظم يحارب ولكنه كمن يصعد جبلًا ولكن كلما صعد خطوة تأتى صخرة ضخمة لتدفعه لأسفل وهو يحاول أن يستجمع نفسه وما تبقى عنده من إيمان ليصعد ولو قليلًا ..فما أن يتحرك حتى تأتى صخرة آخرى لتلقى به لمسافة أبعد من التى قطعها…وعندها قد يستسلم ويفكر فى الانتحار…نعم فمن الصعب تصور أن حياتك اليومية هى سلسلة مستمرة من الصراع مع وحش لا يهدأ ولا ينام وأنت لا حيلة لك فى ذلك.
تقول لى أين الإيمان بالله؟ يا صديقى أن الاكتئاب يحدث بسبب خلل فى كيمياء المخ..هذا الخلل فى كثير من الأحيان يكون نتيجة جنيات وراثية..رأيت عائلات كاملة مصابة بلعنة الاكتئاب من الجد إلى الاب إلى الأحفاد وأكاد أجزم أن من لم يُولد منهم بمرض الاكتئاب فى جيناته مرض به بسبب التربية الخاطئة وإحاطته بكل هذا العدد من المكتئبين. إن الإيمان قد يساعد مريض الاكتئاب قليلًا ولكنه لن يمكنه من هزيمة الوحش الذى تملكه…يحتاج المريض فى الواقع لشىء يرجع التوازن لكيمياء مخه ويجعله قادرًا يإيمانه وإرادته على صعود الجبل ومقاومة الصخور.
للأسف لا يوجد حل يا صديقى غير الأدوية الكيميائية..لابد أن يتحلى المريض بالشجاعة ليعترف أنه مريض وأنه إذا كان مؤمنًا بحق فلابد أن ياخذ الدواء كأخذ بأسباب الشفاء…ولكن من الظلم لنفسه ومن حوله أن يظل عنيدًا متخيلًا أنه يمكنه بمفرده التغلب على الوحش لتضيع أيامه ولياله فى حرب شعواء سيكون فيها الخاسر الوحيد.
دينا سعيد
25-9-2012تمت المراجعة من الطبيبة النفسية ريهام نجيب

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s