عزيزتى يمنى ..عزيزى هنادى

معذرة لتطفلى على جسر رسائلكما ولكنى لم أجد أفضل منكما ﻷشاركه ما يعتمل فى قلبى من أوجاع …فقد جاءت الرسالة السابعة عشر من (يمنى) متزامنة مع قرائتى لثلاثية غرناطة…كانت (يمنى) تبحث عن العدل وتتساءل هل من الممكن أن نتنصر؟ هل من الممكن للظلم أن يختفى؟ هل سيأتى يومًا نرى الظالم فيه يُهان و يُقتص منه بلا حدود، ببدائية عفوية إنسانية، قتل يُقتل، ظلم يُظلم، بلا محاكمات هزلية و بلا تفاصيل سياسية و توازنات دولية و “بتنجانية” عقيمة؟

امتزجت أسئلة (يمنى) فى رأسى بأسئلة (مريمة) التى طرحتها بعد سقوط غرناطة منذ أكثر من 500 عام: أين يا رب نصرك الذى وعدتنا؟ لماذا تركتنا نُحارب فى ديننا ويتم تنصيرنا قهرًا ..نتحايل لنختن أبنائنا ونُزوج نسائنا ونُغسل موتانا…أين هو ذا النصر؟

لماذا يظن البعض أن (مريمة) كفرت بهذا السؤال..ألم يقل المؤمنون فى القرآن (متى نصر الله) فرد عليهم الله (ألا إن نصر الله قريب)؟

قريب! خمسمائة عام نتنظر النصر جيلًا بعد جيل فلا يأتى …ويأتى بدلًا منه وجع آخر وجرح جديد…هذه الأندلس سقطت فما لبث أن سقطت من ورائها أغلب الدول الإسلامية ما بين استعمار انجليزى وفرنسى وإيطالى …وخرج الاحتلال  بعد أن مص دمائنا وثوراتنا وقسم حدودنا واستنسخ نفسه باحتلال خفى من نوع آخر

هذه الأندلس سقطت ومن ورائها فلسطين والعراق وربما سقطت غدًا سوريا

فأين هذا النصر؟

لقد رأيت بعين الخيال (سليمة) و(مريمة) وقد دبت فيهما الحياة فى زماننا المعاصر وأخذتا تطوفان فى طرقات أسبانيا (الأندلس سابقًا) وهما لا يتصوران أن كل محاولتهما للحفاظ على هوية أولادهما العربية والاسلامية قد ذهبت أدارج الرياح…فى 500 عام لم يتبق أى شىء ألا بعض من قصور ومعالم أثرية يقصدها السائحون…هل تصور أحد من أمراء الاندلس العظام أن يأتى هذا اليوم؟ أين ذهب عقلهم وهم يوقعون على اتفاقية تسليم غرناطة ويقولون أن ليس فى الإمكان أفضل مما كان وأنه لا طاقة لنا بمحاربة القشتالين وأنهم قد أخذوا عليهم عهد بالإبقاء على ديانة الأندليسين..كيف صدقوا؟ كيف لم يحاربوا حتى آخر رجل فيهم؟ كيف قبلوا الذل والهوان؟

وأين هم باقى المسلمين فى تونس والمغرب ومصر والحجاز وفارس؟ كيف تركوهم هكذا؟ لماذا لم يهبوا لنجدتهم؟

أتراهم كانوا يفعلون كما نفعل نحن الآن…يدعون فى صلاتهم “اللهم أنصر أهل الأندلس المستضعفين وكن لهم ولا تكن عليهم”؟

لكم دعونا للعراق يا يمنى…لكم دعونا لفلسطين يا هنادى…لكم ندعو لسوريا يا مسلمين

فلماذا لا يستجيب لنا الله وينصرهم؟

أرى بعين الخيال رجلًا من  الحجاز يقول هلم لنجدة الأندلس فيقولون له هولاء باعوا ديارهم ودينهم…يستحقون ما هم فيه… أرى رجلًا من مصر يحلم حلم ساذج يقول سنؤسس دولة إسلامية عاصمتها قرطبة…فيهاجموه ..يقولون له أن القاهرة أقدس من قرطبة والهرم الأكبر أقدس من قصر الحمراء…يحاول أن يفهمهم أن الأم عندما سؤلت من تحبين أكثر من أبنائك؟ قالت المريض حتى يشفى والمسافر حتى يرجع والصغير حتى يكبر…وهذه الأندلس قطعة من لحمنا أصابها المرض واغتصبها أعدائنا…نحبها أكثر ونبذل من أجلها الغالى والرخيص حتى تتعافى…ولكن يبدو أنهم لا يفهمونه..يبدو أنهم كانوا أيضًا يرسمون حدودًا سياسية بين البلدان الاسلامية..ألا لعنة الله على كل الحدود…افهموا يا بشر لا توجد حدود على الأقل فى قلوب المسلمين

أرانى بعين الخيال وقد أخذت بيدى (سليمة) و(مريمة) وجعلت أطوف بهما فى شوارع القاهرة الآن…أخذتهما أولًا لمساجدها…يا ويلتنى لماذا جعلت هذه الزيارة فى شوال؟ يا ليتنى أخذتهما فى رمضان فترين المساجد وقد عمرت بالمصلين والمعتكفين…أرى فى أعينهما الحسرة من قلة الصفوف فى المساجد ..كانتا تتذكران الفتوى التى أباحت لأهل الأندلس أن يصليا بإيماءة رأس أو إشارة يد حتى لا ينفضح أمرهم..تذكرتا بكائهما على مساجد الأندلس وهى تتحول لكنائس والآن تشاهدان المساجد فى بلادنا فى كل شارع وحارة فلا يُعمرها إلا زمرة رجال والباقى يصلون فى البيوت كالنساء هذا إن صلوا

أعرف أن (سليمة) تحب القراءة..أخذتها لمكتبة فى وسط البلد فوجدتها تصرخ وهى تمسك بكتاب كُتب بالعامية المصرية وتقول لى ما هذا الهراء؟ مسكينة (سليمة) لا تعلم أن الكثير من المصريين المتعلمين لا يفهمون اللغة العربية الفصحى وبالطبع لا تعلم أن ما يقرب من 40% من الشعب المصرى لا يعرف حتى القراءة والكتابة…تنظر إلى (مريمة) معاتبة وهى تتذكر  زوجها (حسن) ومن ورائه حفيدها (على) وهما يعلمان الصغار اللغة العربية والقرآن خلسة فى البيوت …أحضرت لسليمة جهاز الكمبيوتر الذى أملكه..علمتها كيف تبحث عن الأشياء…انبهرت كثيرًا بأنها يمكنها أن تحصل على أى معلومة وأى بحث علمى فى دقائق وهى التى كانت تنفق كل أموالها على شراء الكتب العلمية وتحصل عليها بمشقة بالغة بعد تحرى الكتمان….ولكن (سليمة) رأت بالمصادفة إحصائية أن أكثر كلمة تم البحث عنها فى الوطن العربى هى (جنس)…مالت برأسها وهى تقول لى (جنس)..أنا التى كنت أقرأ فى الظلام حتى لا يكتشف القشتاليون أمرى وسرقت نظارة (نعيم) الطبية حتى استطيع قراءة حروف الكتب الصغيرة..أنا التى كنت أتحايل مع (مريمة) لتخبئة الكتب والتى مات والدى حزنًا وغمًا على حرق الكتب العربية..أنا التى تم اتهامى بالسحر والشغوذة ﻷنى كنت أتعلم وتم حرقى حية…لو كان عندى جهاز مثل هذا لقضيت العمر أقرأ وأبحث …أيكون هذا حالكم الآن …جنس؟

مشينا وهن تتابعن ملابس النساء الكاشفة أكثر منها ساترة..وتحرشات الرجال بهن فى الطريق..أرادت (مريمة) دخول الحمام فذهبت بهما إلى كنتاكى وابتعت لهما (بيبسى) حتى يكون هناك داع لدخولنا المحل…سألتنى (مريمة) أليس عندكم حمامات عامة؟ قلت لها فى أماكن قليلة ولكنها قذرة للغاية……قلن فى نفس واحد “رحم الله أبا منصور”

خرجنا فى الطرقات فشاهدنا أطفالًا يلعبون وهم يغنون (آه يا بت يا مُزة)…لم تفهم (مريمة) معنى (مُزة) ولم أشىء أن أخبرها فى الحقيقة فلم أكن أمن رد فعلها وقد نجدت من قبل طفلًا مسلمًا كان يردد تكبيرة العيد فى الطرقات بأن أدعت أنها أمه القشتالية وأن الطفل يصر على مخالطة أولاد العرب ويتعلم منهم هذه الكلمات الغريبة  وبهذا نجا الطفل وأهله من محاكمتهم بتهمة ترديد مثل هذه الأشياء فى المنزل وتحفظيها للأطفال….يا ألهى أرجو ألا  تريا المدارس والجامعات الأجنبية وألا تعرفن أن هناك مصريين يظنون أن الشخص الراقى هو من يحشر أكبر عدد من الكلمات الانجليزية أو الفرنسية فى كلامه وأن هناك من يكتب فرانكو أراب ﻷنه مكسل يتعلم الكتابة على الكيبورد العربى وأن هناك وأن هناك….لا، يكفى هذا القدر…اقتربنا من مدينة نصر…هذا ما كان ينقصنى؟ مظاهرة المنصة

سألتنى (مريمة) عما يحدث…قلت لها هولاء ناس معترضين على أشياء تقوم بها الحكومة…ولكن هناك غيرهم فى البيوت يؤمنون بما يقولون وإن جبنوا عن الخروج…هالها أن ترى أحد اليافطات تطالب بغلق معبر رفح ويافطة آخرى تندد بتصدير الكهرباء لغزة….قلت لها “الحق يا خالتى أن لديهم مطالب آخرى غير هذه”…لم تبد أنها تسمعنى..قالت لى حكيتى أنكم عملتم مليونيات عدة من قبل فى ميدان التحرير من أجل إسقاط النظام، قلت لها بالطبع وقد أسقطناه بالفعل و…قاطعتنى وقالت فلماذا لم تخرج ولو مليونية واحدة من أجل نصرة سوريا؟

رددت بدموعى وأنا أقول نحن ندعو لهم طيلة رمضان على كل المنابر فى كل الجوامع فى مشارق الأرض ومغاربها..نلعن بشار هذا ليل نهار

وقالت وهى تمسك بيد (سليمة): هلم بنا يا (سليمة) فيبدو أنهم لم يتعلموا شيئًا مما حدث لنا

عزيزتى يمنى..عزيزتى هنادى

اعتقد أننى قد وصلت للجواب…لم ينتصر أهل الأندلس ﻷن الأندلس ليست قطعة أرض مستقلة قائمة بذاتها

الأندلس جزء من الأمة الإسلامية ..والمسلمون وقتها لم يكونوا يستحقون النصر

سقطت الأندلس لتبقى وجعًا داميًا فى قلوبنا لعلنا نتعلم الدرس يومًا فننتصر

دينا سعيد

24-8-2012

تنويه: فكرة وجود سليمة ومرمية فى زماننا المعاصر مستوحاة من مها المسيرى

– يمكنك متابعة رسائل (ع الجسر) هنا

http://on.fb.me/OboX51

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s