عند زواج ويليام وكيت العالم الماضى..كان التليفزيون الكندى ليس له شاغل  سوى الحديث عن العائلة المالكة وتاريخها وزيجاتهم وتقاليدهم (لاحظوا أن ملكة انجلتزا تعتبر ملكة كندا وصورتها على العملة ويحاول الكنديون التمسك بالعائلة المالكة من باب أنها جزء من تقاليدهم وهويتهم)…كان أحد هذه البرامج يتحدث عن كيت العروس الجديدة فى الأسرة المالكة ويعرض صورها طوال حياتها منذ أن كانت بيبى…وأخذت المحللة تقول رأيها فى كل صورة..هنا تبدو بريئة…هنا ملابسها متكلفة وأكبر من سنها…ابتسامتها هنا رائعة وكأنها ولدت أميرة….بصراحة شعرت بالشفقة الشديدة على كيت وتخليتها تقول لو كنت أعرف من صغرى أنى سأكون أميرة  لركزت فى كل صورة وكل فستان أريده …ثم فكرت فى حالها الآن وكم المعاناة التى تعيشها وهى تشعر بالكاميرات تلاحقها فى كل لحظة وشاردة

تذكرت هذه الحكاية عندما قالت لى صديقة تستعد للزواج أنها تشعر أن معظم ما تشتريه فى بيتها من أجل الضيوف الذين سيأتون لزيارتها وليس من أجلها أو من أجل زوجها…قالت كلما اشترت شيئًا فكرت ماذا سيقول الناس عندما يرونه..ذوقها بلدى..ذوقها حلو…أكيد زوجها بخيل…كيف تشترى مثل هذا اللون أو الماركة…كل شىء تفعله من أجل الناس الذين ربما لن يمكث معظمهم أكثر من ساعة أو ساعتين…تريد أن يكون بيتها مثالى فى أعينهم ..حتى أنها ربما لم تعد تتذكر ما الذى تريده من داخلها أن يكون فى بيتها

ليس هناك فرق كبير بين كيت وبين صديقتى وبين معظم الناس ومنهم أنا شخصيًا..لو فكرنا فى كثير مما نفعله سنجد أننا نفعله من أجل الناس..من أجل الكاميرات التى نشعر أنها تراقبنا طوال الوقت…هى ليست كاميرات حقيقية ولكننا نتخيل أنها موجودة…والغريبة أننا قد نتأثر برأى أو كلمة أو حتى نظرة لصديق بعيد أو شخص عابر نقابله …وقد نبنى عليها أحكامًا عن أنفسنا وحياتنا…ما أهمية هذه الكاميرا التى رأيتنا فى موقف واحد من حياتنا وسمحنا لها أن تحكم علينا من خلال هذه الصورة فقط؟

فى هذا البرنامج عن العائلة المالكة كان هناك خبير إعلامى قال أن هناك قواعد صارمة وضعتها العائلة بعد مقتل ديانا للتعامل مع الإعلام…ولم يعد بإمكان أى صحفى او مصور التقاط صور لهم فى أى مكان ووضع كما كان يحدث من قبل…بل أصبح لهم مجموعة محددة من المصورين المسموح لهم بالتقاط الصور وعادة لا يتم نشرها إلا بعد الرجوع إلى المستشار الإعلامى للعائلة المالكة وكل هذه الصور التى تم عرضها من حياة كيت كانت بموافقة هذا المستشار…عندها قل شعور بالشفقة على كيت إلى حد ما..فعلى الأقل هى تخلصت من كل الكاميرات المتطفلة والتى كانت تلاحق ديانا إينما ذهبت وأبقت فقط على الكاميرات التى تثق فيها…لم تعد مضطرة للتظاهر 24 ساعة ﻷنها على ثقة أن المصور لن ينشر سوى الصور التى تبدو فيها  فى حاجة جيدة…

ربما كانت كيت أكثر سعادة من ديانا فقط بسبب هذا الشىء…لا أعلم بالطبع ولكنى على ثقة أن كل واحد فينا من الممكن أن يكون أكثر سعادة إذا حطم كل هذه الكاميرات الوهمية التى تلاحقه أينما ذهب…أثق أن الإنسان لن يسعد بحق إلا إذا أعاد تعريف السعادة وفقًا لنفسه هو وليس ﻷى أحد آخر…تعلمون لقد فكرت من قبل أن أعمل حملة “لا للنيش نعم للمكتبة” وذلك ﻷنى كنت مقتنعة أن هذا النيش الممتلىء بالكوؤس والأطقم لا معنى له وأن الأفضل وجود مكتبة فى المنزل ..ولكنى الآن تراجعت ﻷنى أنا ك”دينا سعيد” يسعدنى وجود المكتبة ولا يسعدنى وجود النيش ولكن من أدرانى أن كل فتاة آخرى كذلك..إذا كان يسعدها وجود النيش وكانت امكانياتها تمسح بشرائه فلتشتريته..إذا كان يسعدها وجود تلفيزيون 60 بوصة فلتشتريه….ولكن لتفعل هذا فقط من أجلها ومن أجل زوجها وليس من أجل الضيوف ..الذين قد يستدين الإنسان وقد يضعف أمام المال الحرام من أجل إرضائهم هم وليس إرضاء نفسه

ونفس المنطق ينطبق على كل شىء فى حياتنا: شكلنا، ملابسنا، أعمالنا، اختيارتنا…كل هذا لابد أن يكون نابع من داخلنا نحن…وليس من أجل الكاميرات التى تلاجقنا والتى تصورنا طبقًا لجودة الكاميرا وكفاءة المصور ..وليس طبقًا لحقيقتنا التى لا تلقطتها سوى كاميرا واحدة ..هى أجود أنواع الكاميرات فى العالم ترى الظاهر والباطن ..ترى الماضى والحاضر والمستقبل…ترى حتى الأشياء التى بداخلنا ولا نقدر على التعبير عنها….أنها كاميرا المولى عز وجل السميع العليم البصير الحكيم الرحيم….لا ليست كاميرا أمى ولا أبى ولا أخوتى ولا أصحابى ولا مديرى…كل هذه كاميرات تظن وربما أنا أحيانًا أظن أنها تعرفنى وأنى استطيع أن أحكم على نفسى وسعادتى من خلالهم…ولكن كثيرًا ما تكون هذه الكاميرات  خاضعة لرؤية المصور وتعريفه هو للنجاح والسعادة والحق والخير…لذلك قال سيدنا على بن أبى طالب “لو قالوا لى أن نترك حسابك ﻷمك وأبيك ما قبلت”.. فالحقيقة أن الكاميرا الوحيدة التى أثق فيها وفى قدرتها على معرفتى هى كاميرا الله عز وجل وعليه يجب  أن أسعى أن تكون صورتى فيها أفضل ما يمكن …أما بقية الكاميرات فليس أمامى سوى أن أحطمها …لا أعنى أن أخرج الناس من حياتى ولكن أعنى أن أكف عن رؤية نفسى من خلالهم واحتفظ فقط بمصدر واحد لصورى التى تشكل رؤيتى لنفسى وتتحكم فى سعادتى وشقائى وهو المصدر الوحيد الذى أثق فى حكمته المطلقة

دينا سعيد

4-11-2012

Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s