كثير ممن اتكلم معهم يرون أنفسهم فشلة ويعانون من الإحباط طوال الوقت…تكلمنا عن هذا فى مقالة انتحار طالب دكتوراة  وتكلمنا عنه فى مقالة المرأة غير المتزوجة  ولكن يبدو أن الأمر ما زال بحاجة لبعض التوضيح

سأخبركم بقصة لصديقة مهندسة ومتفوقة طوال عمرها..هذه الصديقة كانت دائمة الشكوى من ابنتها وتدهور مستواها الدراسى وعدم تركيزها وتفضيلها اللعب ..وكانت تجلس بالساعات مع ابنتها فى كى جى  لتذاكر لها ورغم ذلك البنت لا يبدو أنها تستوعب جيدًا فتعاقبها لأنها غير مركزة..المهم بعد سنتين من هذه المعاناة عملت لابنتها اختبار ذكاء واكتشفت أن ذكائها أقل من المتوسط (خلقة ربنا)…وقال لها الطبيب النفسى أن عليها أن تخفض كثيرًا من سقف طموحاتها بالنسبة لابنتها وأنها لو انتهت من نصف الواجب فقط واستوعبته فهذا إنجاز..كما أن ابنتها قد لا تنجح فى دخول ثانوى عام وقد تدخل دبلوم أو معهد بدلًا من كلية

طبعًا لكم أن تتخيلوا أن صديقتى انهارت مبدئيًا لأنها شعرت أنها قست على ابنتها أكثر من اللازم وحملتها ما لا تٌطيق ثم لأن ابنتها لن يكون لها مستقبل…وبعد فترة من إعادة ترتيب الأوراق خلصت صديقتى أن عليها الرضا بقضاء الله وأن تحمد الله أن ابنتها على الأقل ليست بها اعاقة جسدية وذهنية مثل ابن صديقتنا الثالثة…وفكرت صديقتى فى كل الأشخاص الذين أثروا فى حياتها ..ليس فقط معلمها المفضل وأمها وأبيها..بل فى كل إنسان ساعدها أن تكون هذه المهندسة الناجحة…من أول الممرضة التى ساعدت والدتها فى الولادة إلى البائعة التى تشترى منها ملابسها إلى الميكانيكى الذى يصلح سيارتها إلى كل مدرسيها والمدرسين الذين درسوا لمدرسيها …آلاف الأشخاص بدونهم لم تكن لتصبح ما هى عليه اليوم…كما قال الشيخ الشعراوى رحمه الله  أن الله جعل الناس تتفاوت فى قدراتها حتى يسخر بعضهم لبعض ولا ينهار الكون…ومن هنا انتهت صديقتى إلى أن ابنتها من الممكن أن تكون شخص مؤثر فى المجتمع ويساعد فى بنائه حتى لو كانت شخصية عادية …ترد على تليفونات العملاء فى موبينيل على سبيل المثال.

ومن هنا أعادت تعريف النجاح لابنتها وهو أن تحصل على 75% والتفوق أن تحصل على 80%…لا يهم ترتبيها فى الفصل العشرين ولا الثلاثين…هذا ليس مقياس للنجاح…لأنه غير مناسب لقدراتها وامكانايتها..مقياس النجاح أن تتفوق ابنتها على نفسها وتقارن نفسها بنفسها…عندها شعرت صديقتى بالراحة الشديدة وزال كثير من توترها وقلقها وللدهشة فإن ابنتها صارت أكثر إقبالًا على المذاكرة وتخطت ال80%  ربما لأن نظرة الإحباط اختفت من عين أمها وحل محلها نظرة أمل وفخر حقيقى بأن ابنتها تكافح فى ظل تعريفها الجديد للنجاح

وبالمثل عندما أفكر فى زملائى فى الجامعة أجد من ذهب ليكمل دراسته العليا فى أفضل جامعات أمريكا وكندا وأجد من هم مثلى الذين ذهبوا لجامعات المستوى الثانى وأجد من يكمل دراسته فى مصر ولم يفلح فى الحصول أى فرصة خارجها وأجد من عمل فى الشركات العالمية كجوجل وأوراكل وياهو وأجد من عمل فى الشركات المحلية المصرية ومن عمل فى الحكومة ومن لم تعمل وفضلت أن تكون أم وزوجة…ليس هناك من هولاء من هو أحسن أو أنجح من الآخر…بل كل واحد فيهم تعريف النجاح بالنسبة له مختلف عن الآخر لأنه متناسب مع ظروفه وما هباه الله به من امكانيات وكل واحد منهم يؤدى دوره فى المنظومة…يضيف مربع ملم * ملم فى لوحة كبيرة..ولكن بدون المربعات الصغبرة هذه لن تكون هناك لوحة.

إذا فكرت فى خريج جامعة المنصورة الذى يعمل أستاذ فى معهد الحاسب الآلى بشبرا فسأجد أنه يؤدى دور لا يقل أهمية عمن يدرس فى جامعة أم أى تى ..لأن خريجى معهد الحاسب الآلى هذا يخرج منهم أمناء المعامل والعاملين فى  المطابع وإدخال البيانات وبدون هولاء لن يكون هناك جامعة القاهرة..وبدون جامعة القاهرة بكل مشاكلها وعيوبها لن تكتشف الأوائل الذين ذهبوا لتحضير الدكتوراة فى أم أيه تى والذين استطاع أحدهم أن يدرس بها وربما يحصل على جائزة نوبل فى يوم من الأيام…كل شخص مهم فى المنظومة ..ليست المحلية فقط ولكن العالمية أيضًا…

إن الأمر مثله مثل كرة القدم..بدون دورى المظاليم لن نكتشف المواهب التى تلعب فى الأهلى والزمالك وبدون الأندية المحلية لن نكتشف المواهب التى تحترف فى أوروبا ولن تكون هناك فرق تحصل على كأس العالم للأندية.. ولكن المشكلة تنشأ عندما لا يفرح لاعب نادى دمياط بانتصاره على نادى الشرقية لأن تعريف النجاح عنده هو أن يتغلب على الأهلى وكذلك لا يفرح لاعب الأهلى بانتصاره على الزمالك لأنه كان يتمنى أن يحترف فى الخارج مثل ميدو ولكن قدراته لم تؤهله لذلك…

صدق أو لا تصدق  أيها الباحث…المؤتمرات والدوريات العلمية المصنفة من الدرجة الأولى..لا تقل أهمية أن المصنفة من الدرجة الثانية والثالثة…وهذه لا تقل أهمية عن المؤتمرات المحلية …لأن كل شىء مهم فى المنظمة….كل ما عليك أن تعيد تعريف النجاح بالنسبة لك أنك بقدراتك وظروفك ..وليس كما يراه مشرفك أو تراه جامعتك أو يراه زملائك…وعندما تفكر فى النجاح لا تفكر فى النجاح الاكاديمى وحده ولكن فكر فى نفسك كانسان..كانت أحدى المتحدثات فى محاضرة عن الصحة النفسية تقول أنه كان لديها دكتور شرحه سيىء للغاية ليس عنده موهبة توصيل المعلومة وكانت تكرهه بشدة وفى يوم رأته فى أحدى المتنزهات مع أولاده يضحك ويلعب ..وتذكرت والدها رجل الأعمال الناجح الذى لم بلعب معها قط…وعندها تغيرت نظرتها لهذا الدكتور..ما زالت لا تفهم منه ولكنها لا تكرهه..لأنها علمت أنه على الأقل ناجح كأب وربما استطاع أولاده أن يكونوا أفضل منها -على الأقل من الناحية النفسية-

وأنت كذلك عليك أن تصنع لنفسك سيرة ذاتية (لا ليست تلك التى تقدمها للعمل) بل آخرى حقيقة..افتح ملف الآن واكتب كل نجاحاتك فى الحياة…بتعريفك أنت للنجاح…لا تخجل أن تضع هذا البحث الذى تم نشره فى مؤتمر محلى بل ضع حتى تلك الأبحاث التى لم تفلح فى نشرها…أنا عن نفسى اشتغلت 3 سنوات فى موضوع ولم أنشر منه أى شىء..لأسباب يطول شرحها ولكن هذا ما حدث..ولكن من هذا البحث تعلمت أشياء كثيرة ما زلت استخدمها إلى الآن وعرفت أشخاص ومعارف كثيريين..فهذا البحث لابد أن يُوضع فى سيرتى الذاتية الحقيقة…أنت كذلك لديك الكثير من الأشياء التى من الممكن أن تعتبرها نجاح حتى وإن لم تكن موجودة فى السيرة الذاتية التى تقدمها للعمل…

صدقنى أنت مهما كان عملك ..مؤثر فى حياة الكثيريين..وبدون المربع الذى تضيفه لن تكون هناك منظومة..كل ما عليك أن تجتهد لتجعل مربعك أفضل قليلًا…تحدى نفسك ولكن بأهداف واقعية كما فعلت صديقتى مع ابنتها…وضعت  80% كهدف للتفوق وقدرات ابنتها 75% ولكنها لم تضع الهدف 90% لتعجز البنت ولا 60% لتفشل البنت…ولو كانت ابنتها مرضت أثناء الامتحانات وحصلت على 70% أو حتى سقطت لاستوعبت أن هناك أحيانًا  ظروف تحدث قد تجعل نجاح الإنسان أقل مما يطمح له…ليس المهم ما يراه الناس أو المجتمع…ولكن المهم ما تراه أنت بداخلك..المهم أن تقدم سيرتك الذاتية الحقيقية لله عز وجل يوم القيامة وتقول هذا جهدى فى ظل ما يسرته لى فاللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم

دينا سعيد

2-11-2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

7 responses »

  1. hazem كتب:

    ليت الامور بمثل هذه البساطه لكنها ليست كذلك للأسف! علي كل حال مقال رائع تحياتي

  2. Gladiator كتب:

    نعم . واجهت نفس النقطه مع شريكتى فى الحياه
    لانى انظر للنجاح وتمام العمل بمنظور مختلف….شعرت بانى قاسى او جاف بها لا اشعر بها
    مما كان ضروره لان ادرك الخطأ فى اسلوبى واصلحته ….وبدات اساعدها واحاول ان اهيأ لها ما يناسب اسلوبها وقدراتها فى الحياه
    وكانت النتيجه رائعه…لها ولى
    فقد تحسنت كثيرا كذلك ارتاح بالى كثيرا والسعاده بحق

  3. salma subh كتب:

    يا الله أد أية كنت محتاجــــــة للمقالة دي … فعلا فعلا كن ناجح بمقايسك … جزيتي خيرا 🙂

  4. Nada كتب:

    I read this post every time I find myself frustrated .. Thanks Dina Said.. Your articles touch our heart.

  5. مقال متميز كالعاده يا د. دينا 🙂 . أنا مؤمن تماماً أن على الإنسان أن يعرف حدود مقدرته , لكن إذا وجد نفسه وصل إلى ما يعتقد أنه “حدوده” لا يجب أن يرضى بتلك الحدود. عند وصوله لتلك النقطه بالتحديد عليه أن يغامر و أن يتخطى تلك الحدود, و كلما يصل إلى حدٍ جديد يسعى لأن يتخطاه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s