الباحثة عن الحب

ربما ظن الكثيرون أن “هالة” فتاة عادية فى الرابعة عشرة من عمرها…لا يشغل تفكيرها شىء إلا المدرسة والمذاكرة واللعب مع صديقتها…لا يخطر ببال أحدهم أن الصغيرة مشتتة وأن عقلها الصغير يكاد يجن من التفكير..وسبب حيرتها هما أخواتها: أروى وسحر
اليوم قررت أروى أن تعزم صديقاتها على الإفطار…جلسن قبل الطعام يتحدثن….يبدن متشابهات…كلهن متفوقات فى عملهن…كلهن محتمشات لدرجة عالية فى ملابسهن….كلهن تتجاوزن الثلاثين…وكلهن لم تتزوجن
قالت أحدهن أنها تخاف كثيرًا من اليوم الذى يتوفى فيه والداها وتضطر أن تعيش بمفردها…ولكنها فى نفس الوقت لا تتصور نفسها وقد تزوجت أيًا ممن قد تقدموا لها…تتذكر هذا الصيدلى مندوب المبيعات الذى ضغط أهلها كثيرًا عليها لتتزوجه…رفضت بشدة..كيف لها أن تقبل أن تتزوج بمن يتفاخر أنه يضرب فواتير ويزور فى الأوراق ليزداد دخله…نعم كان يتفاخر…يريد أن يبرهن لها أنه يستطيع الحصول على دخل ضعف أو ضعفين مرتبه…كيف كان لها أن تقبل أن تأكل أولادها من حرام؟…الأفضل لها ألا تنجب هولاء الأولاد ولا تتزوج اساسًا إذا كان هذا هو الحال
قالت “هالة” فى سرها طيب ما “عمو طلعت” جوز “سحر” أحيانًا كثيرة لا يصلى …وسحر مبسوطة وسعيدة وعندها “مهند” و”أحمد” …ولا تخاف اليوم الذى تعيش فيه وحيدة مثل أروى وصديقاتها
قاطع تفكيرها صوت “أروى” وهى تقول أنا أصلًا حطيت احتمال أنى لا أتزوج ولا أنجب وهيئت نفسى أن أرضى بحياتى هكذا إن كان هذا ما كتبه لى الله …ذعرت “هالة” من الفكرة…كيف لأروى أن تفكر هكذا وهل يمكن فى يوم أن أصبح مثلها؟ انخرطت البنات فى حديث السياسة الذى تمله “هالة” بشدة…لا تعلم لماذا لا تتكلمن فى أمور لذيذة مثل صديقات “سحر”…المرة الماضية كانت أحداهن تحكى لآخرى الحلقة الأخيرة من مسلسل “العشق الممنوع” وكن يتحدثن عن وصفات الطبيخ وكيفية لف الطرحة كما تفعل “دعاء فاروق” المذيعة…”هالة تحب هذه الأحاديث وتشارك معهم بقوة….مالها هى وحمدين صباحى وما يفعله…بس هو بصراحة شكله أمور قوى زى ما سحر بتقول
تنبهت وأروى تفتح اللاب توب وتقرا لصديقاتها مناقشة بينها وبين زميل لها فى العمل على الفيس بوك عن مقارنة مشروع النهضة بمصر القوية….ابتسمت “هالة” وهى تتذكر أحدى صديقات “سحر” وهى تحكى أن زوجها قال لها بالأمس أنهم يجب عليهم انتخاب “أبو الفتوح” وأنه قعد يشرح لها مميزات الرجل ويشتم فى باقى الششرحين…الطريف كما تقول الصديقة أنها كانت تعلم كل ما يقوله زوجها بل وأكثر ولكنها اصتنعت الغباء وعدم المعرفة وكلما قال لها زوجها معلومة تقوله “لا بجد أنت بتعرف الحاجات دى منين” وبعدها طبعًا زوجها كان “يشعر أنه “عنتر زمانه”…تذكرت هالة الصديقة وهى تنصح “سحر” أن تقول لأروى أن تكف عن كتابة آرائها السياسة والفكرية على الفيس بوك والمدونة…”مفيش  رجل يرضى يتجوز واحدة حاسس أنها أذكى منه …ده ضد رجولته…خليها تلم نفسها شوية” ….تذكرت “هالة” تنهيدة “سحر” وهى تقول
“والله قولتها كتير وماما كمان قالت لها لكنها بتقول أنها متعرفش تكون ألا نفسها ..خلاص بأه خليها عايشة مع نفسها”
تنبهت “هالة” لفريدة صديقة أروى وهى تحكى عن منصبها الجديد وعن ارتياحها الشديد فيها رغم كثرة المسئوليات…”هالة” تحب “فريدة” بشدة فهى طيبة وحنينة ولكنها زعلت منها لدرجة الخصام عندما تركت خطبيها “محمد” لم تستوعب “هالة” ما قالته “فريدة” لأروى وهى تبكى…”مش قادرة استحمل أكتر من كده..حاسة أنى ماشية على قشر بيض طول الوقت وخايفة ليتكسر…عارفة مسرحية كارمن لما كانت سيمون أنا كنت طول عمرى حرة وكنت طول عمرى باختار صح..دلوقتى خايفة أمشى يمين يقول ممشتش شمال ليه…أمشى شمال يقول ممشتش يمين ليه…ولو مشيت فى النص يقول ممشتش يمين ولا شمال ليه”…كل تصرفاتى ..كلامى..حركاتى لازم تكون زى ما هو عاوز ولو غلطة بسيطة ينفجر فيا….مش قادرة..كان لازم اختار حريتى…أروى كانت تشجعها على الانفصال…كانت تقول أن زوج خالتها شخصيته مثل “محمد” ولكن خالتها تتحايل عليه بالكذب ومكر النساء…قاطعتها “فريدة” والله قلت له هو أنت عاوزنى أكذب عليك وأغشك زى ما الستات بيعملوا؟ قالى يا ريتك كنتى تقدرى….ولكنى لا أقدر..أنا معرفش أقول حاجة مش حاسها ولا أوافق على حاجة مش مقتنعة بيها…أنا معرفش أكون ألا نفسى
ما زلت “هالة” تتذكر عندما قرأت أروى رواية “أحببتك أكثر مما ينبغى” …أعجبت “أروى” بمقولة فى الرواية وكتبتها على الفيس بوك فعجبت كل صديقاتها وشيروها …تقول المقولة
“قلت لي: أتعرفين جمانة.. لن تسعد امرأة في حياتها العاطفية إلا إن كانت غبية،أو أن تستغبي على أقل تقدير لذا لن تسعدي أبدا جمان! 
أتظن بأنني لا أجيد الاستغباء؟!
أنت لا تقدرين عليه لا قدرة لك على الادعاء بأنك غبية لذا لن تسعدي مع رجل مهما أحبك 
تظن أنت بأنني أذكى من أن يسعدني رجل و أظن أنا بأنني أغبى من أدعي الغباء فأسعد معه!” “
كانت “أروى” تحاول ألا تجعل “هالة” تتعقد…كانت تقول هناك صديقتهم “رشا” التى تفكيرها مقارب لتفكيرهن ورزقها الله بزوج رائع …أتهزأ بها “أروى”؟ ..هذا استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها…كم نسبة من تزوجن من صديقات “أروى” مقارنة بصديقات “سحر”؟ الأمر واضح ولكن “أروى” تكابر
لماذا تريدها “أروى” أن تلبس محتشم وتبتاع لها الملابس الواسعة الطويلة وتقول لها أن هكذا يرضى الله…”سحر” لا يعجبها هذا وتقول ﻷمها متخليهش تعقد البت..تشترى لها بناطيل “
skinny
وتقول لها لازم يبقى شكلك حلو دائمًا والرجالة تعاكسك فى الشارع
لو مر يوم ولا يومين من غير ما حد يعاكسك…لازم تعرفى أن فيك حاجة غلط وتصلحيها
لم تفهم قط لماذا تعتبر “أروى” المعاكسة إهانة؟…ولماذا هى دائمًا الشجار مع أى كائن ذكورى يفكر أن يمد يديه عليها؟
لماذا يا أروى تطربين إذا أعجب أى شخص بكتباتك ومقالاتك وتجزعين إذا جاملك أحد على شكلك؟
ما الفارق؟
سحر تقول ﻷروى فوقى محدش هيجوزك عشان عجبه تفكيرك…هو مش هيتجوز واحد صاحبه
سحر كانت تحب زوجها فى الكلية وكانا يخرجان سويًا…سحر كانت تقول لأروى ربنا مش هيدخلنا النار عشان مسكنا أيد بعض ومشينا على الكورنيش
!أروى” كثيرًا ما كانت تتشاجر معها وتقول لها أنتى بترخصي نفسك وربنا مش هيبارك فى حاجة حرام
ولكم شعرت “سحر” بالانتصار عندما جاء “طلعت” ليخطبها
قالت “لأروى” أنتى عاملة زى الحلة المتغطية ..محدش عارف أصلا إذا كانت فاضية ولا ملاينة
لازم ترفعى الغطاء وتخلى الزيون يشوف جمال الطبخة ويشف ريحتها ومفيش مانع يدوق شوية منها…ساعتها هيجى جرى عشان ياكل بقية الحلة
انتبهت “هالة” لأروى وصديقتها وقد هممن بصلاة العصر جماعة…سحر وصديقاتها تصلين أيضًا وتقرأن قرآن
هذه “مروة” صديقة سحر الجديدة تزوجها “عماد” صديق “طلعت” وهى غير محجبة
تقول “سحر” ياما قلت له على “أروى” يسكت وميردش
وأول ما شاف “مروة” فى الشارع …سأل عليها وتزوجها وبعدين أقنعها بالحجاب والصلاة
كل الحاجات التانية دى ممكن تيجى بعد الزواج …المهم تعجبى الراجل وساعتها هيلاقى ألف مبرر عشان يجرى وراك
تمتلأ حياة هالة بالخيالات …تارة تتخيل نفسها مكان “مى عز الدين” فى عمرو وسلمى ومرة مكان “سمر” فى العشق الممنوع…لكم تريد أن تعيش قصة حب
لا داع أن تحبكها كثيرًا مثل “أروى”…لا داع أن تضع كرامتها فى السماء ولا تتقبل الإهانة مثل “فريدة”
لابد أن تتنازل أن تتغابى كما تفعل “سحر” وصديقاته
لماذا  تقول “أروى” وصديقاتها دائمًا مقدرش أكون ألا نفسى؟ ..لا هى مستعدة تكون زى ما اللى بتحبه عاوزها فيبدو أنه عقاب من تريد أن تكون نفسها أن تعيش مع نفسها
فتحت الجواب الذى أعطاه “محمود” ابن الجيران لها…قرأته للمرة المائة…كم هو رومانسى…راسم قلب وكاتب كلام أغنية “تامر حسنى”..”أحلى حاجة بحبها فيكى”….لو كانت أروى مكانها لمزقت الجواب وألقته فى وجه “محمود” وربما شكته ﻷمه
ولكن أبدًا لن تكون معقدة مثل “أروى”…أخرجت ورقة وكتبت الرد بأغنية أليسا
“كل يوم بيعدى وأنت معايا”
دينا سعيد
30 – 7 – 2012

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

One response »

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s