من الألاعيب السياسية المشهورة أنه إذا أردت السيطرة على أحد ما توقعه فى خطأ أخلاقى وتسجله عليه وتجعله كحبل مشنقة تلفه حول عنقه بدون أن تخنقه به…وبهذا تسيطر على هذا الرجل ..ليس ضرورى أن تسيطر عليه تمامًا لدرجة أن يخون وطنه أو يقتل ..فهذا قد  يجعله يغامر بكشف سره أو حتى يدفعه للانتحار…فى العادة تكون الطلبات معقولة ولا تتصدم  بشدة مع معتقدات الشخص كأن يخفف حدة النقد لفلان أو يمدح علان
أى أنه حبل مشنقة لا يخنق ولكنك تستطيع أن تشده وقت اللزوم لتذكر هذا الشخص أن له سقف لا يجب أن يتجاوزه
وأحيانًا لا يكون هذا الحبل خطأ أخلاقى فقد يكون خوف الشخص على أولاده مثلُا حبل مشنقة فى حد ذاته وقد يكون خوفه على منصبه أو المكاسب السياسية والاجتماعية التى حققها..ومن النادر أن تجد شخصًا ما ليس له نقطة ضعف تجعلك تتحكم فيه وإذا لم يكن له نقطة ضعف فتستطيع أن تخلق له واحدة
أرى أن هناك حبل مشنقة يلتف حول رقبة مجلس الشعب وأرى أنه ربما يكون السبب عدم قدرة المجلس على اتخاذ مواقف حادة من المجلس العسكرى أو الحكومة  …فهناك حكم من المحكمة الإدارية العليا بعدم صحة انتخابات مجلس الشعب (1)  وهو الحكم الذى لو صدقت عليه المحكمة الدستورية فسيعنى حل المجلس وعدم دستورية كل القرارات التى اتخذها ومنها بالطبع اللجنة التأسيسية للدستور وبالتالى الدستور نفسه
هذا هو الحبل …فمن الذى لفه حول رقبة المجلس؟
فى اجتماع الفريق سامى عنان مع الأحزاب السياسية قبل الانتخابات  أعطى له نسبة الثلثين للقوائم والثلث للفردى مع السمح للأحزاب بالترشح على مقاعد الفردى أيضًا  وهو الانتصار الذى فرح له الأحزاب ﻷنه سيعيطهم عدد مقاعد أكبر فى البرلمان وعليه وقعوا على وثيقة عنان الشهيرة والتى منحت المجلس العسكرى الكثير من الشرعية ( 2)  هذه الوثيقة استنكرها الكثيرون ﻷنها تعنى أن هولاء الأحزاب تنازلوا عن بعض المواقف السياسية من أجل بعض كراسى البرلمان…وكانت من أشهر العبارت التى ظهرت وقتها “عنان سقى الأحزاب شاى بالياسمين”….وبسبب الغضب الشعبى سحب الكثيرون توقيعهم على الوثيقة ومنهم مصطفى النجار الذى هدده معظم أعضاء حزب العدل بالاستقالة إذا لم يسحب توقيعه (3)
ولكن اتضح أن الأمر ربما كان أبعد من الوثيقة وأن الهدف الأساسى كان إيهام الأحزاب بتحقيق مكسب سياسى (وهو  نسبة الثلثين للقوائم مع الترشح للفردى)  فى حين أن هذه النسبة هى حبل المشنقة التى يطعن فى دستورية المجلس ككل ….
وكما وضح المستشار طارق البشرى (4)  أن “«المجلس الأعلى للقوات المسلحة ارتكب خطأ جسيما عندما استجاب للنخبة السياسية والإعلام عندما طالبوا بإجراء الانتخابات بالقائمة، لأن هناك أحكاما قضائية سابقة تصف هذه الطريقة بالعوار والبطلان، وأن هذا الخوف من بطلان الانتخابات، كان الدافع وراء إعداد لجنة التعديلات الدستورية مشروعا بقانون تجرى فيه انتخابات مجلسى الشعب والشورى بالنظام الفردى، حرصا على عدم بطلان الانتخابات فى الظرف الانتقالى الحساس الذى تعيشه مصر، لكن المجلس العسكرى أهمل هذا المشروع  وأنه كان يجب على من أعد مرسوم انتخابات مجلسى الشعب والشورى الابتعاد عن ذرائع وشبهات عدم الدستورية ليحمى المؤسسات الدستورية المنتخبة، ولا يجعلها عرضة للبطلان والحل كما هو الواقع الآن,».”
وبصرف النظر عن الكلام عن استقلالية القضاء فالأمر فى يد المجلس العسكرى ويستطيع أن يخنق المجلس بهذا الحبل أو يرخيه كما يشاء
ففى أى لحظة الآن أو مستقبلًا تستطيع المحكمة الدستورية أن تحكم بعدم شرعية المجلس ويتم حله وإعادة الانتخابات
فهل هناك حبال آخرى؟
ربما كانت هناك أشياء تتعلق بتمويل منظمات المجتمع المدنى…والتى تركها نظام مبارك تعمل بدون أى شرعية قانونية
حتى يستطيع أن يخنقها فى الوقت الذى يريده …والوقت حان الآن قبل انتخابات الرئاسة! حتى لا تشارك هذه المنظمات فى الرقابة على الانتخابات
بالمثل إذا نظرنا إلى قضية المادة (28) من الإعلان الدستورى ..هذه المادة تقضى بعدم جواز الطعن فى أحكام لجنة الانتخابات العليا إلا أمام هذه اللجنة مما يجعلها خصمًا وحكمًا فى الوقت ذاته وبعد ذلك يكون القرار النهائى للجنة ملزمًا لكل الأطراف ولا يجوز الطعن فيه مطلقًا (5)....والواقع أن اننا بالفعل صوتنا بأغلبية على هذه التعديلات(6) ولكن كما نعلم جميعًا فإن الخيار فى الإعلام الذى كان يتم تقديمه للناس هو نعم (الرئيس قبل     الدستور) أو “لا” (الدستور قبل الرئيس) ولكن لم يتطرق معظم الناس إلى خبايا هذه التعديلات ويفندها…وهو ما يعكس ثغرة كبيرة أن يكون الاستفتاء على الدستور فقط ب”نعم” أو “لا” بدلًا من أن يكون الاستفتاء على كل مادة من مواده
وقد حاول البعض أن يجعل مجلس الشعب يتخذ موقف ويعترض على المادة (28) ولكن أغلبية اللجنة التشريعية رفضت هذا ﻷن 
الاستفتاء أعطى شرعية للمادة
ويرى المستشار طارق البشرى (4) أنه لتعديل المادة فلابد من إجراء استفتاء آخر
ولكن أحد النواب (ممدوح إسماعيل) أن الأمر لا يتطلب سوى إعلان دستورى آخر من المجلس العسكرى بتعديل المادة (7)  ﻷن دستور 71 سقط بالفعل إذن  فالأمر يحتاج لمن يضغط على المجلس العسكرى من أجل أن يتخذ هذا القرار
فلماذا لا يتخذ مجلس الشعب هذا الموقف؟!
أما المرشح الرئاسى عبد المنعم أبو الفتوح فقد قال أن هذه المادة من أجل استقرار الرئيس (8) وأننا صوتنا عليها دون أن ندرى
فهل نريد رئيسًا مطعونًا فى شرعيته أن يقوم بعمله؟
وإذا كان الهدف الاستقرار ، فلماذا قام المصريون بثورة مات فيها من مات وأصيب فيها من أصيب؟!
أما المرشح الرئاسى حازم أبو إسماعيل فكان موقفه من المادة28 (9) أن الضمان لعدم التزوير هو الشرعية الثورية وأن الناس سوف تتظاهر إذا حدث تزوير وهو ما يعنى فى رأيى مزيدًا من الفوضى ووليس  ضمانًا للاستقرار
 وتخليوا بعد الانتخابات وقد فاز أحد المرشحين فقام كل مؤيدو المرشحين الآخرين بعمل مظاهرات ﻷنهم يشكون فى شرعية الانتخابات وذلك ﻷنه لا يوجد حل قانونى للطعن فى قرارات اللجنة ألا أمامها وخاصة إذا نظرنا إلى الشكوك الكثيرة حول نزاهة بعض أعضائها (10)
إن الاستقرار فى رأيى يكون بأن يتم النظر فى الطعون وعدم قبولها من جهة محايدة وبذلك يكون الرئيس شرعى مائة بالمائة؟
أم أن الهدف من المادة (28) أن تكون هى الآخرى حبل يلتف حول رقبة الرئيس القادم حتى يكون مطعونًا فى شرعيته ويمكن  بذلك فى أى لحظة أن تحكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية هذه المادة وبذلك تلغى نتيجة الانتخابات الرئاسية وينزل الرئيس من على كرسيه الذى استقر عليه ليتم إجراء انتخابات آخرى!
هل سيقدر أى رئيس مهما كان أن يتخذ مواقف حادة مع أى من كان وهذه المادة تلتف حول رقبته كما تلتف نسبة القوائم حول رقبة
مجلس الشعب؟
هل اﻷمر قصر نظر ورضا بمكسب قريب بدون حساب تبعات هذا المكسب على المدى الطويل؟
أن الخطأ فى رأيى ليس فيمن يلف حبل المشنقة فقط بل فيمن يقبل أن يلتف الحبل حول رقبته فلو لم توافق الأحزاب على نسبة الثلثين بالاضافة إلى ترشحهم على مقاعد الفردى ورضوا بنسبة النصف السابقة  فى سبيل أن يكون هناك برلمان لا غبار عليه فى
شرعيته لما حدث ما حدث
ولكنهم نظروا إلى (الكم) وهو عدد مقاعد البرلمان التى سيحصلون عليها فى مقابل (الكيف) وهو أن تكون لهم الشرعية
كاملة

وكذلك لو اعترض كل المرشحين للرئاسة (وخاصة المؤثرين فيهم) على المادة 28 ورفضوا أن يخوضوا سباق الرئاسة طالما كانت موجودة لربما أنقذوا أحدهم من حبل قد يلتف حول رقبته فيخنقه ويخنقنا معه
أما أن نسمع كلام من قبيل “أحنا وفقنا عليها بدون أن ندرى” و “وهذا من أجل استقرار الرئيس”  أو ” سنقوم بمظاهرات إذا حدث تزوير” فهذا فى رأيى يعنى عدم خبرة سياسية كافية
وعدم تقدير المرشح لقوته وقوة داعيمه لو أتخذ مواقف جادة وحازمة من أجل ألا يعطى ﻷحد الفرصة أن يخنقه فيما بعد
أن اللعبة السياسية معقدة والمؤكد أن هناك حبال واضحة تلتف حول مجلس الشعب ومنظمات المجتمع المدنى وهناك حبال يتم تجهيزها لتلتف حول الرئيس…هذا بخلاف العديد من الحبال الخفية التى قد تكون متعلقة بحياة الأشخاص الخاصة أو تاريخهم …وهو ما يبرز ببساطة “لعبة السياسة” التى ما زال معظمنا يتعلمها”
دينا سعيد
19-3-2012
المصادر:
1-  
2- 
3-
4-
5-
6-
7-
8-
9-
10-

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s