فى الساعة السابعة من يوم الثلاثاء ستشرق الشمس الدافئة على ضفاف النيل فى بلدتى دمياط
  عندها ستفتحون أعينكم وتلبسون ثياب العيد البهية وتتعطرون بأجمل العطور
ستجتمعون مع الجيران وتذهبون معًا فى طريقكم لصلاة العيد
وفى الطريق ستجدون المئات من الكبار والشباب والأطفال يسيرون فى إتجاه المسجد
كلُ فى ثياب العيد المزخرفة المزركشة بكل الألوان والأشكال
 ستجدون بائعى البلونات والطراطير والزمامير والفشار والأيس كريم
الكل يبتسم، الكل سعيد…ناسيا أو متناسيا همومه ومشاكله ولو فى يوم العيد

 وفى المسجد ستقابلون كل أفراد العائلة والأصدقاء و زملاء الدراسة والعمل والجيران السابقين
كل من فى المسجد تعرفونه بطريقة أو بآخرى
تتوالى الأحضان والقبلات والسؤال عن الأحوال
ستدور البنات الصغيرات لتوزع الحلوى على الكبار والصغار
والكل يقول
(ربنا يعود الأيام بخير)
من لم تتزوج بعد سيدعى لها كل من يراها
(وإن شاء السنة اللى جاية تبقى فى بيت جوزك)
ومن لم تنجب بعد ستسمع
(والعيد الجاى يا رب يكون كده ربنا جابر خاطرك ومعوض عليكى بالذرية الصالجة)
والتى ما زالت تدرس فى ثانوية عامة سيدعى لها الكل أن تدخل العيد القادم الكلية التى تريدها
 ثم تقول بعض السيدات العجائز
(بلا شهادات بلا وجع قلب هم اللى أتعلموا خدوا إيه؟)
فى إشارة إلى هولاء اللاتى تعلمن فى كليات قمة ولم تتزوجن بعد
ستبتلع المسكينات الكلام فى صمت وتنحدر من أعين أمهاتهن بعض الدمعات
ولكن سيتدارك الجميع الموقف، فاليوم يوم عيد وليس يوم ألم ودموع
(والله هيجى لها عدلها، هى بنتك بس اللى كده؟، وبعدين هم اللى أتجوزا أخدوا إيه غير وجع القلب؟)
يضحك الكل فواضح أنه لم يأخذ أحد أى شىء لا من تزوج ولا من تعلم

ثم يكبر الإمام فتصطفون للصلاة التى ما أن تنتهى حتى يبدأ الجميع بالكلام والرغى
(شفتى بنت خالة مراة أخو جوزى عملت إيه؟)
وينادى أحد الرجال
(يا ستات بلاش دوشة بيوت الله لها احترامها)
ينهى الخطيب خطبته فى عُجالة وتبدأ حملة آخرى من الأحضان والقبلات والأدعية والوعود
(عاوزين نشوف بعض دايما، مش معقولة مش بنتقابل غير فى المناسبات)
ثم تجتمع كل عائلة حول ذبيحتها فى السطح أو الشارع أو منور العمارة
ويتبارى أولاد العائلة فى محاولاتهم المستمية لإمساك العجل أو الخروف
حتى ينجحون فى بطحه أرضًا ليذبجه الجزار ويرتفع صوت الجميع الله أكبر
وتدور صوانى سندوتشات الكفتة والكبدة التى يلتهمها الكل وهم يشاهدون دماء الأضحية
ويبدأ الكبار فى تقطيع اللحوم وتوزيعها على أكياس مكتوب عليها اسم كل عائلة
وترتفع التوصيات
(متنسوش فلان عاوز حتة من الكوراع وفلانة عاوزة المنديل)

وبينما ينهمك الكبار فى التوزيع، ينزل الشباب والأطفال ليشاهدوا أحدى المسرحيات الكوميدية
وترتفع الضحكات وتجلل فى المنزل
رغم أنها قد تكون المرة العاشرة التى يشاهدون فيها نفس المسرحية
           ثم يتناولون الغذاء من الفتة والرقاق والكوراع فيكبس الأكل على أنفاسهم لينامون قليلا
فما زال أمامهم ليلا حافلا بالفسح وزيارات الأهل والأصدقاء

  وفى أثناء نومهم، تغرب شمس المحروسة من على ضفاف النيل
عندها تحين الساعة السابعة صباحا فى كالجرى لاستيقظ فلا أجد شمسًا مشرقة ولا نيلًا دافئًا
أنظر من النافذة،  فأجد الثلوج تغطى كل شىء واكتشف أن اليوم عيدًا
ولكنى لا استطيع أن أذهب لصلاة العيد فى المكان البعيد المخصص لها فى هذا الجو القارس
ارتدى الجاكيت الأسود الثقيل والبوط الأسود الذى يخنق قدمى والكوفية والقفازات وأذهب للجامعة
 يا إلهى إن هذا اللون الأبيض للجليد كافيا أن يبعث الاكتئاب داخل أى انسان
إن عندى بعض الاجتماعات والمحاضرات
وخلال يومى أقابل وجوهًا تبتسم لى
وجوهًا أعلم أنها تخفى وراء ابتسامتها جبالًا من الكراهية والحقد
أعلم أنها تتحين لى الفرص لأخطأ أو أضعف لتبرهن أن هذا المكان ليس مكانى
وأنه الأفضل لى ولكل المسلمين والعرب أن نرجع إلى بلاد النوق والجمال
(يا الله ألا يمكن أن تختفى هذه الوجوه على الأقل يوم العيد)

أرجع لمنزلى بعد معارك القط والفار وألاعيب السحرة والحواة
أنظر إلى تليفونى الذى لم يرن سوى عند مكالمة أمى وأبى فى الصباح
 كم كنت أود أن يكلمنى أيًا من أهلى أو أصحابى
ولكن يبدو أن الجميع مشغول بالعيد…أظل ألتمس الأعذار لهذا ولذاك
وأجد الساعة قد قاربت على منتصف الليل فى مصر، فأخاف أن ينامون قبل أن أسمع صوتهم يوم العيد
فأظل أكلمهم واحدًا تلو الآخر ،
 الكل يبدو صوته سعيد بمكالمتى، الكل يبدو مشتاق لى، الكل يدعو لى
وأنا أدعو للجميع، وكالعادة لا أجرؤ أن أعاتب أو أناقش عدم سؤالهم على

ألا يكفى أنهم يحبونى كما يبدو من صوتهم؟، حتى وإن لم يكونوا يتذكروننى وسط فرحتهم بالعيد
أحاول أن أقنع نفسى بكلام أمى أنهم كانوا سيتصلون ثانى أو ثالث أو رابع يوم العيد
ولكنى أنا من بادرت بالاتصال
ابتسم لساذجتى فقد جربت من قبل ألا أكلم أى أحد حتى آخر أيام العيد، ولم يتذكرنى أحد
   وأيضًا التمست الأعذار، وكلمتهم فى النهاية
وقررت بعدها ألا أعرض نفسى لهذه التجربة القاسية مرة آخرى
لن انتظر حتى يسأل فلان أو علان، سأبادر أنا بالسؤال
وكهذا بعض الناس يظلون هم من يمدون دائما حبال الود ليس عطاءًا منهم بل فى معظم الأحيان خوفًا من الرهان على من يحبونهم

إنى أشعر بالجوع الشديد فالساعة الآن الرابعة مساءًا وأنا لم أتناول شيئًا من الصباح
 أقررأن أطبخ رقاق باللحمة المفرومة وفتة فى محاولة بائسة لاستعادة أى من مظاهر العيد
وعندها اكتشف أن دموعى وحدها تكفى أن تكون بديلا لشوربة الفتة
وأشعر أن مرارة الغربة فى العيد لا يمكن أن يزيلها أى طعام مهما كان شهيًا
فأتناول طعامًا لا يسمن ولا يغنى من جوع، وأتساءل
هل يختلط الأمر على المخ فلا يفرق بين إحساس الجوع الحسى وإحساس الجوع المعنوى؟

أجلس على الأنترنت باحثة عن مسرحية كوميدية فلربما قضت الضحكات على بعض الدموع
ولكنى لا أسمع طوال المسرحية ألا صدى ضحكاتى مع أخوتى عندما كنا نشاهدها سويا فى أحد أيام العيد
وأخيرًا لا أجد أمامى سوى إذاعة القرآن الكريم أسمعها من على الأنترنت لينساب صوت عبد الباسط عبد الصمد
(إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى ميعاد)
فاتنهد وأقول يا رب

انتبه لقد قاربت الساعة عندى على منتصف الليل لابد أن أنام لاستعد ليوم عمل جديد
وبينما أغلق عينى، تفتحون أنتم أعينكم لتستعدون للاحتفال بثانى أيام العيد

بقلم دينا سعيد
14 – 11 -2010

——————————————————————————————————————
@My friends:
لا تقلقلوا علي فالمقال لا يعبر عنى بالكلية بل هو خليط بين مشاعرى ومشاعر بعض أصحابى فى الغربة مصحوبا ببعض الخيال

ملحوظة فى 2012: رغم أن العيد هذا العام يوم جمعة إلا إنه يوم عمل فى أوروبا وأمريكا
الحمد لله أن ثانى يوم أجازة
Advertisements

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، كما أنها أحدى مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" . دينا لديها شهادات كندية معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع بالاضافة إلى أنها حاصلة على عدة جوائز تقديرا لدورها في المجال التطوعي بكندا

5 responses »

  1. Anonymous كتب:

    على فكرة كلنا كده فى الغربة بنستنى نسمع صوت اللى بنحبهم لكن فى الاخر احنا اللى نجرى ونتصل لأن هما وسط الأحباب فبيبقوا نسينا لكن انا متاكدة ان احنا فى قلوبهم وعشان كده بنلتمسهم العذر بس اصعب حاجة انك حتى يوم العيد مابتلاقيش حد تقعدى معاه ولا تكلميه حتى زوجك بيبقى فى الشغل (الاستعباد طبعا) رؤساؤه فى الاجازة بيعيدوا مع ولادهم وهو مطحون شغل تحسى ان كل حاجة بتضيع بس عشان خاطر تجيبى الفلوس اللى تقدرى تأمنى بيها حياة أفضل لأولادك ولو ان فى وسط الزحمة دى بتضيع حاجات كتيرة اوى لكن الله الغالب وليكن فى عوننا …وعامة يا ستى كل سنة وانت طيبة وبصحة والسنة اللى جاية انا وانتى مع العيلة فرحانين ومبسوطينامضاءأم آسياصيدلانية وحيدة فى الغربة

  2. Anonymous كتب:

    عيد سعيد عليكي يا دينا و علي كل أخوانا و أخواتنا بالغربة :)العيد القادم ان شاء اللة تكونوا بصحة الأهل و الأحباب

  3. Anonymous كتب:

    كل سنه وانتى طيبة وعيد سعيد عليكم جميعا وعلى كل المغتربين بالأخص وان شاء الله العيد الجاي ربنا يقرب البعيد

  4. العزيزة الرقيقة دينا!مقالك عن العيد رائع.. كل سنة وأنت بخير .. كلامك لا يحمل سبب للقلق .. بل بالأحرى فيه نفحة أمل وألم بس إنت أقوىكــمال Kamal El Masry (M.A, Philosophy of Religion &Metaphysics)Reader, Political History & Thought Email: kamalmsr@gmail.com │ blog: http://www.kamalmsr.blogspot.com

  5. […] في ثاني عام لي في كندا كتبت مقالا موجعا بعنوان عندما يأتي العيد […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s