تعددت ردود الفعل على مقالتى عن الغربة ومعاناة المصريين من بعدهم عن وطنهم. فكان هناك المصدق و كان هناك المندهش و كان هناك الغاضب أيضا ولكن أغرب ردود الفعل تلقيتها من أخى الذى لم يتجاوز بعد السبعة عشر عاما حيث دخل معى فى مناقشة حامية عن معنى الوطنية سألنى آخرها فى تهكم : “تقدرى تقوللى سبب واحد يجعلنى أشعر بالانتماء لهذه البلد؟”
وأُسقط هذا فى يدى لأن معنى السؤال أنه لا يشعر فعلًا بأى انتماء و لا حب لمصر..اعتقدت أن أخى حالة فردبة ولكن بمناقشة أصدقائى وجدت أن معظمهم تعرضوا لأسئلة مشابهة من أقاربهم من نفس جيل أخى : “أنتم عاوزينا نحب مصر ليه؟” …”أحنا بنحلم باليوم الذى نسيب فيه البلد”…وكلام من هذا القبيل
أيكون هذا معقولًا جيل كامل لا يشعر بأى انتماء تجاه وطنه ؟ وهل ولو قدر الله الحرب و دخلنا فى حرب سنجد أحد مستعدًا للتضيحة بحياته و القتال من أجل  مصر؟ وهل هذا الشباب عنده أدنى استعداد ليعمل من أجل بلده أم أن كل تفكيره فى نفسه و مستقبله و حياته التى فى اعتقاده أنها لن تستقيم ألا لو هاجر لأى مكان فى العالم؟
فكرت أياما طويلة فى كتابة مقال للرد على هولاء الشباب و تذكرت حديث حسين فهمى مع أحمد السقا فى فيلم مافيا عندما حاول أن يقنعه أن مصر مثل الأم، قد لا تكون أجمل ولا أغنى أم فى الدنيا ولكنك تحبها و لا ترضى عنها بديلًا ، زى ما هى حبها بحلوها ومرها
أعجبنى التشبيه وهممت أن أعرف سماعة التليفون لأفحم أخى وأقول له أنظر كيف تحب ماما وتسعى لرضاها و تفتقدك لو بعدت عنها، يا ترى لو جاءت أجمل وأغنى ست فى الدنيا وطلبت منك أن تكون أمك بدل ماما هل سترضى؟
ثم توفقت قبل أن أتكلم كلمة واحدة لأنى تذكرت حنان أمنا و حبها لنا، تذكرت لهفتنا علينا كلما أبتعدنا و جزعها كلما أصابنا أى مكروه… بل أنها تلوم نفسها دائما على تقصيرها فى حقنا رغم أنها ضحت بكل شىء تملكه حتى صحتها من أجلنا ثم تتحسر أنها لا تملك المزيد لتضحى به من أجلنا ….إن أمًا مثل أمنا لا تملك سوى أن تحبها حتى وإن لم تكن أكثر النساء ثقافةً و جمالًا و ثراءًا…إن هذه الأم العظيمة لن تجعلك يومًا تتساءل أعطنى سببًا واحدًا لأحبها أو أسأل عنها أو أعيش العمر كله خدام تحت قدميها؟
ولكن هل هذا حال كل الأمهات؟ تذكرت زميلًا لى أندهش جدًا عندما أخبرته أنى لا استطيع أن يمر على يوم بدون أن أسمع صوت أمى فأخبرنى أنه لم يكلم أمه منذ سنوات عديدة ولا يعرف عنها ولا تعرف عنه أى شىء…لم استطيع أن استوعب كيف يمكن لشخص أن يبعد عن أمه هكذا؟ فقال لى أنه لا يحمل لها أى مشاعر ايجابية و لا يدين لها بأى فضل سوى أنها كانت سببًا فى مجيئه للحياة…لم يقل أكثر من ذلك وأنا لم أسأل..ربما كانت أمه تضربه..ربما تركته فى صباه و تزوجت من رجل آخر…لكنه بالتأكيد لم يشعر معها بأى لحظة حب وولا عطف ولا حنان..بالتأكيد لم تربت على كتفه عند فشله ولم تحتضنه عند نجاحه….ولم تكن له الحضن والأمان الذى يبحث عنه أى طفل فى العالم
ربما كانت مصر بالنسبة لى و لجيلى وللأجيال السابقة مثل أمنا الحنون التى تمتعنا بجزء من خيرها و عطائها  و عشنا فى طفولتنا و مراهقتنا مع مسلسلات مثل رأفت الهجان و جمعة الشوان و عندما كنا نقرأ فكان د. نبيل فاروق يسقينا من حب الوطن مع كل مغامرة لرجل مستحيل أو ملف المستقبل كما  تربينا على أغانى مثل “مصر هى أمى” و “يا أغلى اسم فى الوجود”، أنا شخصيًا كنت أعزف هاتين الأغنيتن يوميًا فى طابور مدرستى التى هى بالمناسبة مدرسة راهبات فأيامنا لم يكن هناك وطن للمسلمين ووطن للمسيحيين بل كنا جميعا نتغنى بحب وطن واحد…لذلك مهما رأينا منها ما زلنا نحمل الحب و العرفان بالجميل و ذكربات الأيام الحلوة ومستعدين أن نغفر لها بعض الاساءة كما نغفر لأمنا ثورتها و غضبها علينا
أما أخى وجيله فمصر بالنسبة لهم مثل أم زميلى القاسية الجاحدة التى لم ير فيها سوى فساد و رشوى و محسبوية حتى وإن لم يخرجوا بعد إلى العمل فما يسمعونه فى الإعلام وممن هم أكبر منهم يكفى…جيل أخى الذى لا يجد فى المسلسلات العربية الحالية السمجة الطويلة ولا الأفلام العبيطة شيئًا يستهويه فأصبح لا يشاهد سوى مسلسلات وأفلام أجنبية..وبالطبع لم يعد يقرأ سوى ما يكتبه الأصدقاء على الفيس بوك…جيل أخى كانت تُعزف يوميا فى طابور مدرسته “سهر الليالى” وفى حفلة المدرسة “أطبب وأدلع” رغم أن مدرسته كان يملكها رجل فاضل يقيم موائد الرحمن يوميا فى رمضان..ولكن للأسف فى الامتحانات كان كل المدرسين يغششون العيال لكى تصبح نتيجة المدرسة جيدة… هذا الجيل الذى لم يرضع حب مصر فى صغره أصبحت مصر بالنسبة لهم مثل زوجة أبيهم يترقبون  أى خطأ ليلوموها حتى لو كان هذا لو كان ضحية هذا الخطأ ابن عم بنت خالة أبيهم…لا يهم من الضحية فكلنا خالد سعيد…وكلنا سمية أشرف ..وكلنا إبراهيم عيسى… لا يهم
أرأيتم المفارقة؟ 
أشعر أننا نمر فى مصر الآن بنكسة أشد بكثير من نكسة 67..فعلى الأقل بعد النكسة كانت كل أجهزة الدولة من تعليم و إعلام و جيش و شرطة تعمل من أجل معركة التحرير وكان كل مصرى يحلم بيوم استرداد الأرض..أما الآن فكل أجهزة الدولة تعمل من أجل هدف يعلمه كل مصرى بينما كل شاب يحلم باليوم الذى يترك فيه مصر ويهاجر وهو كل ما يبغى كما قال عادل إمام فى فيلم الإرهاب و الكباب “أنا مش عاوز غير أدميتى”
أما إذا كلمتهم عن مصر ومشاكل مصر و ما يحدث فيها ولها فإنهم سيقولون لك 
” يا عم كبر الجمجمة …منهم فيهم…البلد دى بلدهم يعملوا فيها ما بدالهم”
يا خسارة يا مصر
بقلم دينا سعيد – 15 أكتوبر 2010
—————
ويبقى الشعر
الحب يعنى اتين بيدوا
مش ايد بتبنى وستميت تيت تيت يهدوا
الحب حالة
الحب مش شعر وقوالة
الحب يعنى براح فى قلب العاشقين للمعشوقين
يعنى الغلابة يناموا فى الليل دفيانين
الحب يعنى جواب لكل المسجونين
هما ليه بقوا مسجونين
يعنى أعيش علشان هدف
علشان رسالة
يعنى أحس بقيمتى فيكى
إنى مش عايش عوالة
يعنى لما أعرق تكافئيى بعدالة
الحب حالة
الحب مش شعر وقوالة
الحب حاجة ما تتوجدش فى وسط ناس
بتجيب غداها من صناديق الزبالة
هشام الجخ الهويس

About Dina Said

دينا سعيد حاصلة على الدكتوراة من قسم علوم الحاسب، بجامعة كالجارى في كندا، ومشاركة فى العديد من الأنشطة التطوعية، حيث أنها نائب رئيس منظمة OWN IT Institute of Canada الغير ربحية كما أنها واحدة من مؤلفي كتاب "من أوروبا البلد" دينا لديها شهادات معتمدة في تقديم المساعدة الأولية للأمراض النفسية والتعامل مع حالات الانتحار ومساعدة المجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s